خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
16677738
زوار الشهر :
13824
زوار اليوم :
3306

الغادون إلى الله

عندما تهب علينا نسمات الحج وتبدأ وفود الرحمن في أمِّ بيت الله الحرام، نتذكر مع أطلال الوفود هذا الرجوع الذي لا ينقطع إلى الله تعالى.

وللمرء مع ربه عود لا ينقطع أبدا، بل المرء سائر لا يقف قال ابن القيم في مدارج السالكين (1/ 278): "فالعبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، إما إلى أمام وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو النار، فمسرع ومبطئ، ومتقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير، وفي السرعة والبطء"اهـ.

وفي صحيح مسلم عنه أنه r قال: «...كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» والناس في غدوهم الذي لا ينقطع يسلكون فجاجًا شتى وطرقًا متشعبة، منهم من يسير على جادة الطريق، ومنهم من يسير على غير طريق، منهم من يكون في متن الحياة ومنهم من لا تلفه إلا في الحواشي وقد لا تجده في الهوامش.

والغدو إلى الله تعالى يبدأ مع التكليف، وقد يكون قبله، فقد نقل عن الإمام النووي - رحمه الله - أنه كان وهو ابن عشر بنوى والصّبيان يُكرهونه على اللِّعب معهم، وهو يهرب ويبكي، ويقرأ القرآن في تلك الحال. فتُفرست فيه النجابة منذ الصغر؛ لانشغاله بالجادة والسير على الطريق.

 وحين تبدأ رحلة الغدو مبكرًا في الشباب أو قبله؛ فإن صاحبها يوم القيامة ينزل في أعظم المنازل، ففي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي r قال : «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه، الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّه... الحديث» [متفق عليه] وربنا تعالى يعجب من شاب ليس له صبوة - أي ميل إلى الهوى - ففي المسند وغيره قال رسول الله r: «إِنَّ اللَّهَ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» [حسنه الهيثمي] والاستقامة المبكرة في حياة المرء تؤول به إلى حسن الخاتمة، قال ابن عطاء الله : (من أشرقت بدايته أشرقت نهايته). ولكي يحسن الإنسان الغدو إلى الله تعالى فعليه بأمور، منها :

عمارة الوقت بالطاعة، فإن من ساعده الوقت؛ فالوقت له وقت، ومن ناكده الوقت؛ فالوقت عليه مقت

إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يدني من الأجل

على أن ما نعنيه بعمارة الوقت هو الجد في الطاعة، دون ترك حظ النفس من المباح والمشروع، قال ابن القيم في مدارج السالكين (2/ 20): "وعمارة الوقت: الاشتغال في جميع آنائه بما يقرب إلى الله، أو يعين على ذلك من مأكل أو مشرب، أو منكح، أو منام، أو راحة. فإنه متى أخذها بنية القوة على ما يحبه الله، وتجنب ما يسخطه. كانت من عمارة الوقت، وإن كان له فيها أتم لذة فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات".

 فلا ينبغي أن تضيع ساعات الإنسان سدى، أو  يُرى فارغًا، فإنه مسئول عن وقته يوم القيامة، روى الترمذي عن ابن مسعود عن النَّبِيِّ r قَالَ: «لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ...»[حسنه الألباني]

ومنها علو الهمة، فأصحاب الهمم العالية هم أكثر الغادين إلى الله تعالى، فنفس المرء دائمًا مشغولة بنيل أعظم المكرمات، ولا يصل إليها إلا من تعلق بالملأ الأعلى، فهو أبعد الناس عن الدناءة وإذلال النفس، وهو من أفر الناس من الكبر والبطر، وهو مشغول دائمًا بما يعنيه.

الغادي إلى الله هو: البار بوالديه، هو واصل الرحم، هو المنشغل بحاجة أخيه كما ينشغل بحاجته، هو المجد في درسه ونيته الدار الآخرة، هو المكرم لأهله، هو من تلفه وهو حديث الناس في تواضعه، وصلاته، ونشاطه وجده، وإكرامه لجيرانه وأهله، الغادي إلى الله هو من لا يغفل عن نفسه، بل يتعاهدها أشد التعاهد في غير مخيلة، هو من لا يشكوه جار، ولا تضيق به دار، ويلهم بحسن خلقه والديه الدعاء له بالليل والنهار.

نقل ابن بطة في الإبانة الكبرى(2/ 666)َ عن الحسن قوله: "إن من أخلاق المؤمنين قوةً في الدين، وحزمًا في لين، وإيمانًا في يقين، وحرصًا في علم، وقصدًا في غنى، وتجملاً في فاقة، ورحمةً للمجهود، وعطاءً في حق، ونهيًا عن شهوة، وكسبًا في حلال، وتحرجًا عن طمع، ونشاطًا في هدى، وبرًّا في استقامة، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم في الحب، ولا يدعي ما ليس له، ولا ينابز بالألقاب، ولا يشمت بالمصائب، ولا يضر بالجار، ولا يهمز، في الصلاة متخشع، وإلى الزكاة متسرع، إن صمت لم يغمه الصمت، وإن ضحك لم يعل صوته، في الزلازل وقور، وفي الرخاء شكور، قانع بالذي له، لا يجمح به الغيظ، ولا يغلبه الشح، يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم، وينطق ليفهم، إن كان مع الذاكرين لم يكتب من الغافلين، وإن كان مع الغافلين كتب من الذاكرين، وإن بغي عليه صبر، حتى يكون الله هو الذي ينتقم له يوم القيامة.


طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :