خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
8268122
زوار الشهر :
263229
زوار اليوم :
2833

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى وصلاة وسلاما على النبي المصطفى.

أما بعد: فكلما حللت في بلد،  أو ارتحلت منه  رأيت حنينا فيَّاضًا، وشوقا بالغًا لدى العجائز والكهول، بل عند  الشباب  والأطفال حين يرون وفود الرحمن تودعهم ولسان حالهم يقول:

يا راحلين إلى منى بقيادي          هيجتموا يوم الرحيل فؤادي
سرتم و سار دليلكم يا وحشتي        الشوق أقلقني وصوت الحادي

إنها حقًا مشاعر تستدعي العبرات، خاصة إذا رأيت ذاك الشوق وتلك المشاعر الجياشة من أولئك  العجائز في ربوع العالم كافَّةً يسيل دمعها منهمرًا حين ترى وفود الرحمن راحلة إلى بيت الله الحرام والجميع بصوت واحد يردد «لبيك اللهم لبيك» كأن الوفود ذاهبة بأرواح من تودعهم أو تمر عليهم، إنها مواقف تعجز العبارة عن تصويرها، وكلما حاول المرء إمساكًا لزفرات نفسه رحمة لهؤلاء أبى الطرف عليه إلا أن يسيل...

                     لله در ركائب سارت بهم         تطوي القفار الشاسعات على الدجى
               رحلوا إلى البيت الحرام وقد شجا       قلب المتيم منهم ما قد شجا

فما الذي هيج هذا الحنين وذاك الشوق في قلوب الكبار والصغار؟ – وكلهم كبار –

        لله در ركائب سارت بهم        تطوي القفار الشاسعات على الدجى
 رحلوا إلى البيت الحرام وقد شجا        قلب المتيم منهم ما قد شجا

ما الذي جعلهم يدخرون الغالي والنفيس ليتنسموا نسمات البيت الحرام وهم يرددون: «لبيك اللهم لبيك »؟

مشاهد من الحج:

أول مشاهد الحج ذاك الحنين والشوق الدائم الذي يشعل الفؤاد،  لقد دعا الخليل عليه السلام ربه تبارك وتعالى قائلا : «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ»[إبراهيم 37] قال ابن كثير (5/ 414): "ليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحنُّ إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار".  فهي دعوة الخليل عليه السلام. ولو قال: (أفئدة الناس) لازدحمت عليه فارس والروم والناسُ كلهم، ولكنْ قال {مِّنَ الناس} فهم المسلمون.

وأما شعار الحج فهو: « لبيك اللهم لبيك » إذا لبى الحاج به، لبى بتلبيته كل من حوله، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا»[الترمذي – وصححه الألباني]

وهو من شعار التوحيد، الذي يقوم الإسلام عليه، ولا يدخل الجنة بغيره –أعني التوحيد الخالص لله تعالى والتلبية مأخوذة من (لبب)  وهي مفردة تأتي بمعنى: (الإجابة- انشراح الصدر –خالص الشيء– الإقامة والدوام – الاتجاه والقصد- المحبة – الطاعة – التصرف وفق الأمر- الجمع- العطف-) فكأن الحاج يجيب ربه بانشراح صدره – مقيمًا ومداومًا على طاعته، قاصدا وجهه، مطيعًا لأمره، متصرفًا وفق أمره ونهيه، جامعًا لأمره، مستعطفًا لربه، وهذا هو تحقيق معنى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، فالحج إلى بيت الله الحرام استجماع لمعنى الطاعة، ومعنى الاستسلام لله تعالى، واستجماع لمعنى التجرد، ومعنى الفرار من الله -تعالى- إليه .

إن من أعظم ما يرسخه الحج في نفس صاحبه تحقيق معنى التجرد والإخلاص لله تعالى، فكل شعائر الحج تُفضي بالحاجِّ إلى هذا المعنى، ومن نظر في مفردات التلبية، وتأمل لباس الحاج، وغربته عن أهله ووطنه، ونحره وحلقه... بل الحج كله من أصله شأنه كشأن كل ما يتقرب به لله لا بد من قيامه على الإخلاص لله تعالى، ورسولنا في الحج يدعو ربه قائلا: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا غَيْرَ رِيَاءٍ وَلاَ هِيَاءٍ وَلاَ سُمْعَةٍ» [ابن خزيمة –وصححه الألباني].

إن مما يرسخه الحج من المعاني العظيمة معنى الاستسلام لله تعالى، وهو الاستسلام لحكمه بلا تعبيس ولا استكراه من داخل القلب، قال تعالى ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ [الحج: 34] والاستسلام لله أمر إلهي للناس أجمع قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾[الزمر: 54] ومن نظر في تقبيل الحجر الأسود،  أو الإشارة إليه، أو تأمل في رمي الجمرات، أو النحر علم كيف يرسخ الحج هذا المعنى في نفس الحاج، وهو إن كان غير  معقول المعنى بالنسبة لنا، لكنه يعزز الاستسلام  لرب العالمين والخضوع لأمره –تعالى-.

إن الحج تدريب عملي على تعظيم شعائر الله وحرماته التي تنمُّ عما في الصدور من ركائز التقوى والإيمان، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾[الحج:32] ، ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾[الحج: 37].

وفي الحج تدريب على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: 197) وقال  r: « مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [متفق عليه].

وفي الحج حث على التأسي والتزام الهدي النبوي الكريم قال r: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ»[مسلم ].

وفي الحج استشعار لمعنى المساواة واستحضار لمعنى الأخوة الإيمانية، فالموقف كله والمناسك كلها لا مزية فيها لأحد على أحد، فالكل في أداء المناسك سواء، الزمن واحد والمكان واحد، لا يختص منها غني بموضع، ولا ينفرد فقير بناحية، بل الكل في الموقف سواء، الكبير والصغير، الغني والفقير، الشريف والوضيع –وليس في حرم الله وضيع – .

وفي الحج استشعار لمعنى الفقر إلى الله تعالى، والصبر الجميل على أوامره، وانخلاع من الحول والقوة، فالأوطان، والأهل، والمناصب، والأموال، كلها فارقها الحاجُّ وجاور البيت الحرام، طالبا مرضاة الله تعالى.

وفي الحج استمطار لرحمات الله، وشعور بعطائه الذي لا ينقطع قال رسول الله r: « الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللَّهِ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ» [ابن ماجه ، وحسنه الألباني].

وفي الحج عزم صادق لدى الحاج بهجر الذنوب وتركها بالكلية، واستدامة الطاعة، وصدق التوبةز

وفي الحج تدريب على الوقوف عند حد الأمر والنهي، وتدريب على النظام، فلا يقدم منسك على وقته، ولا يؤخر، ولا تغير هيئة عن وضعها، بل كل منسك  لا بد أن يكون على وجهه.

وفي الحج استحضار لعالم الغيب مما في عالم الشهادة، استحضار ليوم البعث ويوم النشور، استحضار لصورة الكفن الخالي من الجيوب، استحضار ليوم القيامة وقيام الناس أجمعين في يوم الدين لرب العالمين.

إن في الحج معاني عظيمة لا يدركها إلا من رأى دموع الشوق في عيون المشتاقين للبيت الحرام، إن الناس يخرجون من قبورهم يوم القيامة، وأغلبهم في وجل من هول ما هم فيه سوى من مات حاجًا، فإنه يبعث يوم القيامة على غير بعث الناس؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، ففي الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ، قَالَ النَّبِيُّ r: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» [متفق عليه]

بل إن الحاجَّ إذا مات في طريق الحج فأجره موصول لا ينقطع فعنه r قال: «مَنْ خَرَجَ حَاجًّا فَمَاتَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْحَاجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ...الحديث» [أبو يعلى في مسنده(ح: 6357)قال الألباني: حسن لغيره]

وأخيرًا

فإننا نستشعر في الحج إكرام الله تعالى للمرأة وكيف رفع شأنها، وخلد سعيها إلى يوم الدين فريضة محكمة لكل حاج، ففي البخاري وغيره: (...وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ r: « فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا»[البخاري] فها نحن على خطا هاجر أم إسماعيل عليه السلام إلى يوم الدين نسعى بين الصفا والمروة، درس لكل من تحته أسيرة جعله الله عليها قوامًا ألا تستقل من زوجك معروفًا، فعله في نظرك قليل وعند الله عظيم جليل.

وفي الحج معاني أخر .....

  


طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :