خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
7651552
زوار الشهر :
208275
زوار اليوم :
6138

ماذا بعد رمضان ؟

الحمد لله رب العالمين وصلاة وسلامًا على النبي الأمين، أما بعد: ها نحن اليوم بعد أيام وأسابيع من رمضان، وها هي مشاعر رمضان تأخذ في التلاشي شيئًا فشيئًا، في ليلة الفطر دموع منهمرة لا حزنًا وأسفًا، ولكن شوقًا وحنينًا إلى هذا الذي وفد ثم ما لبث أن ارتحل! هناك من تمنى حقيقة أن لو كانت سنته كلها رمضان، لقد عاش بين رمضان دقائقه وساعاته وأيامه، عاش للقرآن قارئًا، وللصلاة مؤديًا، وللذكر ملازمًا، عاش يعمل ويكد لا تعطله لوازم الصيام عن الكد والجد، لقد فرض رمضان نفسه عليه، فعاش فيه يحنو إلى كل عبادة، ويريد أن يظفر بكل حسنة، فلما أزف الرحيل كان حاله حال الثكلى، فقد مضى الحبيب وربما كان آخر العهد به!

قد وجدنا في رمضان حلاوة الإيمان، ورقة القلب وعفة اللسان، أعاد إلينا رمضان أرواحنا، فلقد طهرتنا أيها الوافد الحبيب من الذنوب!

أيتها النفس! كنت قبل أيام في صلاة وقيام، وتلاوة وصيام، وذكر ودعاء، وصدقة وإحسان، وصلة للأرحام، قبل أيام كنا نشعر برقة القلوب واتصالها بعلام الغيوب، كانت تتلى علينا آيات القرآن؛ فتخشع القلوب وتدمع العيون، فنزداد إيمانًا وخشوعًا وإخباتًا لله سبحانه وتعالى، ذقنا حلاوة الإيمان، وعرفنا حقيقة الصيام، ذقنا لذة الدمعة، وحلاوة المناجاة في السحر.. كنا نصلي صلاة من جعلت قرة عينه في الصلاة، وكنا نصوم صيام من ذاق حلاوته، وعرف طعمه، وكنا ننفق نفقة من لا يخشى الفقر، كنا وكنا... مما كنا نفعله في هذا الشهر المبارك العظيم الذي رحل عنا.

وهكذا نتقلب في أعمال الخير وأبوابه، حتى قال قائلنا: يا ليتني مت على هذه الحال؛ لما يشعر به من حلاوة الإيمان ولذة الطاعة.

ثم ها نحن اليوم وقد مضت أيام، بل أسابيع، بل أكثر من هذا، فمهما كان الزمن الذي مضى فنحن ما زلنا نودع هذا الضيف العزيز، أترى يكون حالنا :

رَمَضانُ وَلّى هاتها يا ساقي ... مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ

 كلا فلا ينبغي في السير إلى الله أن تكون العبادة والعلاقة لحظية، ووقتًا معينًا، أو شهرًا معينًا، أو ساعة معينة، بل: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] أي: الموت. فلقد أكسبنا رمضان خلق المراقبة التي هي قرين الإحسان ورفيقة دربه:

إذا ما خلوْتَ الدّهرَ يوْماً فلا تَقُلْ     خَلَوْتَ ولكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ

ولاَ تحْسَبَنَّ اللهَ يغفِلُ ساعة.....   وَلا أنَ مَا يخفَى عَلَيْهِ يغيب

قال ابن الجوزي في (صيد الخاطر، ص: 155): "..أتدري من الرجل؟! الرجل -والله- من إذا خلا بما يحب من المحرم، وقدر عليه، وتقلقل عطشًا إليه، نظر إلى نظر الحق إليه، فاستحى من إجالة همة فيما يكرهه، فذهب العطش".

إن رمضان ليس لحظة ثم تنتهي، لحظة تدرك فيها الطاعة ثم تظنها حِملاً أثقل كاهلك فتسعى لأن تتخفف منها، أو تلقها خلفك بالكلية، قال الله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92].

إن من أهم ما يُعرف به قبول العمل هو ديمومته، أو ديمومة بعضه واستمراره، «وإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ» وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ r إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ" (رواه مسلم)، و«كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً» (متفق عليه)، وما الفائدة أن يكون كل همك أن تصلي في كل عام في رمضان صلاة الجماعة ثم تعود أدراجك حتى يأتي رمضان التالي؟! وما الفائدة في أن تختم القرآن مرات ومرات في رمضان ثم تغادر المصحف إلى رمضان التالي؟!

وما الفائدة أن تضبط لسانك وبصرك في رمضان ثم تطلق له العنان بعد رمضان حتى يأتي رمضان.

أيها المحب الصائم أيها الراغب في قرب المولى رحل رمضان، لا تكن رمضانيًّا، وكن ربانيًّا، قيل لأحد السلف: إن قومًا يعبُدون اللهَ في رمضان فإذا ذهبَ انقطعوا، قال: "بئس القوم؛ لا يعرِفون اللهَ إلا في رمضان". وليسأل كل منا نفسه: ماذا استفاد من رمضان؟ وأين آثاره على نفوسنا وسلوكنا وأقوالنا وأفعالنا؟ وليفكر في حال الصالحين العاملين، فهم في رمضان صيام وقيام، وتقلب في أعمال البر والإحسان، وبعد رمضان محاسبة للنفس، وتقدير للربح والخسران، وخوف من عدم قبول الأعمال، لذا فألسنتهم تلهج بالدعاء والإلحاح بأن يقبل الله منهم رمضان.

رمضان هو تربية النفوس، رمضان هو عودة أمة وعودة مجتمع، رمضان هو وقفة تدوم ولا تنقطع، رمضان هو بناء يتم برمضان التالي، وليس لبنة توضع ثم تذهب مع آخر أيامه، رمضان هو الأخلاق التي تأكدت ودامت، رمضان هو البر الذي تأكد ودام، رمضان هو الإحساس الذي لا ينفرط بالآخرين، رمضان هو مذهب الذنوب، ومسبب المغفرة .

غدًا توفّى النفوسُ ما عَمِلت ... ويحصدُ الزَّارعُونَ ما زرعوا

إِن أحسنوا أحسنوا لأنفسِهمُ ... وإن أساءُوا، فبئْسَما صنعوا

عن الحسن قال: إن الله جعل رمضانَ مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبقَ قومٌ ففازوا، وتخلَّف آخرون فخابوا، فالعجبُ من اللاّعب الضاحك في اليوم الذي يفوزُ فيه المحسنون، ويخسرُ فيه المبطلون.

فيا أخا الإسلام البدار البدار، ويا أيها الصوام المسارعة المسارعة، ويا أيها المحرومون مصراع الباب أبعد مما بين المشرقين، فلا تيأسن مما فات، وقف بالباب، فإن من أطال الوقوف يوشك أن يفتح له، فمن خاف من شيء فر منه، ومن خاف من الله فر إليه، فلا محروم أبدًا من بدأ من الآن رحلة الفرار.


المكتب الدعوي للشيخ إبراهيم الدويش


طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :