خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
8286218
زوار الشهر :
120510
زوار اليوم :
276

                       الوجه المشرق للأزمات..كيف نراه؟ (3)

لا تكمن أهمية سلسلة هذه المقالات- والتي ستستمر- في أنها تحث فقط على التفاؤل والأمل، وتشحن النفوس بهما، وتزرع الإيجابية، وتشحذ العزائم والهمم، وتحارب السوداوية وقصر النظر، وتحاول إزالة السلبية التي تغشى سماء الأمة المسلمة أيام الفتن والأزمات؛ وكثيرًا ما تقعدها، وتشل حركتها، وتصيبها بالتخاذل والتكاسل عن العمل..، بل إن من أهميتها - أيضًا - أنه مفتاح مهم جدًّا لعلاج ظاهرة اليأس والقنوط والاحتقان.. والشعور بالعجز والقهر.. وغيرها من المصطلحات السوداوية للأمراض النفسية التي تولد الانفجار البركاني الذي يأتي على الأخضر واليابس..، والتي ينشأ من خلالها مشكلة: الإرهاب العالمي بكل صوره وأشكاله. وتذكَّر أنني لم أقل: هي علاج، بل هي مفتاح، فإن البحث عن الوجوه المشرقة للأزمة، والتي لا تخلو منها أي أزمة إذا نظرنا إليها بمنظار الإيمان وتعاليم ديننا الحنيف، وبتجليتها ومحاولة استثمارها بحيث تتحول المحنة إلى منحة، فنحن هذه الأيام بحاجة ماسة إلى: زرع الروح الإيجابية، والتربية على تحمل المسؤولية، وحب العمل والصبر والمثابرة، مهما كانت المصاعب، وتراكمت المتاعب..، وبحاجة إلى تغليب التفاؤل على التشاؤم، والرجاء على اليأس والقنوط..،

وإظهار الوجوه المشرقة للأزمات للناس في وقت لا يرى قطاعات عريضة من أمتنا إلا الوجه المظلم المعتم الكالح من الأزمة؛ مما جعل النفس المسلمة محبَطَةً أطبقت عليها قبضة التشاؤم، وأحاطتها هالة من الأوهام!. وجاءت سلسلة هذه المقالات لتبين لهؤلاء أن للأزمات والشدائد وجهًا آخرَ مشرقًا، نسيناه أو غفلنا عنه، علينا البحث عنه، والاستفادة منه، إضافة إلى أن العقل يقول - ويؤيده الواقع وتشهد له التجارب - : إن إيقاد شمعة واحدة في الظلام خير من أن نلعنه ألف مرة بالكلام، وإن المبادرة الواحدة أفضل من ألف تنظير منظر بارع يسلب اللبَّ والعقل، لأن بالأفعال - وليس بمجرد الأقوال - تحيا الشعوب وتتقدم، وتنهض الأمم وترتقي، وتقوم الحضارات وتزدهر، وتُبنى الأوطان وتعمر، وتُطبق الأفكار، وتُترجم القيم، وتُصان الحقوق والأعراض، وتُحفظ الحريات والمقدرات...فلا يتم عبور البحر بمجرد الوقوف على الشاطئ أو التحديق في الماء، ولأمر جدير بالحفاوة استهلَّ أبو تمام قصيدته الشهيرة لممدوحه المعتصم بالله بقوله:

السَّيفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الْكُتبِ ... ... فِيْ حَدِّهِ الْحَدُّ بَيْنَ الْجِدِّ وَاللَّعِبِ([1])

وهذا البيت استهل به أبو تمام قصيدته الشهيرة مادحًا فيها المعتصم، ومبينًا كذب المنجمين، وأن فتح البلاد يتم بالسيف والإرادة الصلبة، والعزيمة الصادقة، وهي الفيصل في مثل هذه القضايا، وليس بالإرادة المهزوزة والظنون الكاذبة والإصغاء إلى تخريص المنجمين ([2]) :

إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيْمَةٍ ... ... فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأْيِ أَنْ تَتَرَدَّدَا

أيها القارئ الكريم ! 1- بالفأل والتروي .. 2 - وسلامة التفكير ..3 - ثم العمل الجاد الرشيد ..4 - والسعي الدؤوب ..5 - وانتهاز الفرص.. بهذه الأمور الخمسة نستطيع أن نستثمر الأزمات، ونجلِّي وجوهها المشرقة بيضاء تسر الناظرين، وصدق الشاعر إذ يقول:

وَمَا نَيْلُ الْمَطَالِبِ بِالتَّمَنِّيْ ... ... وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا

وليس تنفعنا مجرد: التحليلات والتفسيرات..والشجب والإنكار..وكثرة اللقاءات والمؤتمرات، إن لم تتبع كلَّ هذه الأمور الجديةُ في العمل وانتهاز الفرص وتطبيق القرارات، والأخذ بزمام المبادرة.

ولكن مع الأسف أن الغالب السائد في تعاملنا مع الأزمات في عصرنا الحاضر هو:

التحسر والتلاوم، وإبداء الحرقة، واجترار مرارة الواقع الأليم، دون إرادة فاعلة، ومساهمة رشيدة للخروج منه!!، ومأساة أن يشتهر غيرنا بالعمل والجدية خاصة أيام الأزمات، ونشتهر - نحن العرب - بالشجب والإنكار وكثرة اللقاءات والمؤتمرات، ثم تكون النتيجة: الجعجعة لنا، والطحن لغيرنا؟!، وكم كان الخليفة العباسي هارون الرشيد رشيدًا عندما رد على رسالة (نقفور) ملك الروم بقوله: "الجواب ما تراه لا ما تقرأه" ؟!([3]).

د. إبراهيم بن عبدالله الدويِّش

 



([1])  البيت مطلع لقصيدة أبي تمام البائية السائرة التي يمدح بها المعتصم بالله حين فتح عمورية ( انظر: ديوان أبي تمام، 1/40 - 74 بشرح التبريزي ) .

([2])  انظر: سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي (2/218)، لعبد الملك العصامي المكي . وكان فتح عمورية سنة (223 هـ) وهي من أعظم بلاد الروم في آسيا الصغرى .

([3])  انظر: صبح الأعشى للقلقشندي (3/48) .


طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :