الوجه المشرق للأزمات كيف نراه ؟!(2)

الوجه المشرق للأزمات كيف نراه ؟!(2)

"الأسف على الماضي يضيع العقل لا غير"، حكمة يحسن الوقوف معها كثيراً، فالحياة قصيرة! فلا تقصرها بالهموم والأكدار. والكشف عن الوجوه المشرقة لأي أزمة هو من باب الحرص على النافع المفيد المأمور به شرعًا، تأمل هذا الحديث كيف يأمر بالإيجابية وبطرد السلبية في الأحوال كلها، وخاصة عند حدوث المكروه، قَالَ صلى الله عليه وسلم: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا!! وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ "لَوْ" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)) (مسلم). والكشف عن الوجوه المشرقة من باب الفأل الحسن المحبَّب شرعًا، ومن حسن الظن بالله، والتعلق برحمته الواسعة، وتغليب جانب الرجاء والفرج على الخوف واليأس في الملمات والأزمات، روى أحمد قول رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ)). وقد أخبر الله عن مصير الظانين بالله ظن السوء فقال: )وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ([ فصلت 23]. وتأمل روعة هذه الأبيات لإيليا أبي ماضي يقول:  

      إِنَّ شَرَّ الْجُنَاةِ فِي الْأَرْضِ نَفْسٌ    تَتَوَقَّى قَبْـلَ الرَّحِيْـلِ الرَّحِيْلَا

            وَتَرَى الشَّوْكَ فِي الْوُرُوْدِ وَتَعْمَى   أَنْ تَرَى فَوْقَـهَا النَّدَى إِكْلِيْلا

             وَالّـَذِيْ نَفْسُـهُ بِغَيْرِ جَـمَالٍ   لَا يَرَى فِي الْوُجُوْدِ شَيْئًا جَمِيْلا

ومن أهم ما يدعو إلى البحث والتنقيب عن الوجوه المشرقة للأزمات هو ما تقرر لدى المحققين من أن أفعال الله لا تخلو من حكمة وتعليل؛ فاسم الله الحكيم يقتضي ألا يخلو شيء من خلقه وفعله من حكمة، فهو سبحانه وتعالى لا يخلق عبثًا، ولا يوجِد سُدًى. فلا يوجد هناك شر محض، ولا يُنسب الشر إلى الله؛ ((وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ))(مسلم). ومن ذلك وقوع الفتن والأزمات، والمصائب والشدائد، كما أن صفة الرحمة الثابتة لله تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإنْ كرهتها نفسه وشقتْ عليها، ونحن على يقينٍ تامٍّ أن الله ما يريد من ابتلائنا إلا تهذيبنا وتنقيتنا وإثابتنا، لأنه أرحم بنا من كل رحيم، بل وأرحم بنا حتى من أنفسنا، فمصيبةٌ نُقبِلُ بِها على الله خير لنا من نعمة تنسينا ذكر الله. قال ابن حجر– الفتح10/116- مبينًا بعض الوجوه المشرقة للبلاء: "وَابْتِلَاءُ اللَّهِ عَبْدَهُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ مِنْ سُخْطِهِ عَلَيْهِ، بَلْ: إِمَّا لِدَفْعِ مَكْرُوهٍ، أَوْ لِكَفَّارَةِ ذُنُوبٍ، أَوْ لِرَفْعِ مَنْزِلَةٍ, فَإِذَا تَلَّقَى ذَلِكَ بِالرِّضَا تَمَّ لَهُ الْمُرَادُ". وصدق من قال:

فَلَرُبَّمَا كَانَ الدُّخُولُ إِلَى العُلا      وَالْمَجْدِ مِنْ بَوَّابَةِ الأَحْزَانِ

ويجلِّي ابن القيم هذا المعنى بأسلوبه المميز فيقول كما في إغاثة اللهفان: "ومما ينبغي أن يُعلم أن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإنْ كرهتها نفسه، وشقَّتْ عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحمُ الناسِ بك من شقَّ عليك في إيصال مصالحك ودفع المضارّ عنك. فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدّب بالعلم والعمل، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإنْ ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه، فهذه رحمة مقرونة بجهل كرحمة الأم. ولهذا كان من تمام رحمة أرحم الراحمين: تسليط أنواع البلاء على العبد؛ فإنه أعلم بمصلحته. فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أغراضه وشهواته: من رحمته به، ولكن العبد لجهله وظلمه يتهم ربه بابتلائه، ولا يعلم إحسانه إليه بابتلائه وامتحانه"(يتبع).

 

 

د. إبراهيم بن عبد الله الدويش

6/1/1429هـ