دفن الرسول ﷺ - سيرة88


 دفن الرسول ﷺ 

السيرة النبوية وواقعنا المعاصر (88)

تاريخ الخطبة 24-6-1440هـ

 الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أفضل صلاة وأزكى تسليم. أما بعد: معاشر المؤمنين! أوصيكم ونفسي بتقوى  الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه ، المسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج والذي لن يكون إلا باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا والله في واقعنا لتتبع سيرة حبيبنا وأسوتنا وقدوتنا ونبينا  محمد ، والوقوف على دروسها وعبرها، وهذه الخطبة الثامنة والثمانون من سلسلة السيرة النبوية وواقعنا المعاصر ، فبفضل الله تعالى وصلنا للفصل الأخير من هذه السيرة العطرة ، مشاهد ثلاثة صعبة مرت على هذه الأمة المحمدية  (مرضه وموته ودفنه )  تحدثنا عن مشهدين عظيمين ( عن مرضه وعن وفاته صلوات الله وسلامه عليه ) ونواصل الحديث عن المشهد الثالث ، وهو لا يقل عظمة وهيبة وألما في تاريخ الأمة مشهد دفن الحبيب عليه الصلاة والسلام، رضي الله عن الصَّديق الصِّدِّيق  أبي بكر فهو أبلغ من عبّر عن ذلك المشهد بقوله :


أَيا عَينُ جودي وَلا تَسأَمي *** وَحُقَّ البُكاءُ عَلى السَيِّدِ

عَلى خِندِفِ (الإسراع والهرولة) القَومِ عِندَ البَلا *** ءِ أَمسى يُغَيَّبُ في ملحَدٍ

فَكَيفَ الإِقامَةُ بَعدَ الحَبيـ *** ـبِ بَينَ المَحافِلِ وَالمَشهَدِ


إي والله، كيف الإقامة بعد الحبيب بأبي وأمي هو رسول الله ، كيف حال أبي بكر وهو يفقد صديق الروح ، حتى الفاروق عمر رضي الله عنـه خرج يصرخ بالناس يقول: "إنَّ رِجَالاً مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ تُوُفِّيَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَا مَاتَ، وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ إلَى رَبِّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، فَقَدْ غَابَ عَنْ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ قِيلَ قد مَاتَ، ووالله لَيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا رَجَعَ مُوسَى، فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ زَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَاتُ" سيرة ابن هشام (2/655)  يا لحال أبي بكر ويا لحال عمر ، بأبي هو وأمي صاحبا رسول الله على الدوام ، يا لحال مصاب الصحابة مع فقد حبيبهم وقرة عيونهم ، يا لحزن المسلمين وألمهم ويا لحنين المدينة ومكة والبقاع والجبال كيف حالها وقد انطفئ النور وارتفعت البركة وانقطع الخير وضجت الأصداء  ، دهشة وصدمة وألما ووجع وفاجعة ومصيبة لكثير من الصحابة حتى لكأنهم ظنوا أنه لا يأتيه الموت ، وما ذلك إلا لشدة حبهم لرسول الله وتعلقهم به ، فعلى قدر الحب تكون الصدمة ويشتد الوجع ، فكيف سيدفن رسول الله ، كيف سيوارون الحبيب تحت التراب بأي قلب سيفعلون هذا ، ومن يتحمل ويجرؤ على هذا ، إليكم تفاصيل المشهد الأخير ، مشهد الدفن لأعظم رجل في التاريخ ، مشهد دفن أعظم الناس خلقا ومقاما و وقارا ، مشهد دفن أفضل الأنبياء والرُّسل ، مشهد دفن أرحم وأرق وأرفأ قلب ، آه من يستطيع مواراة الرحمة المهداة تحت التراب ، لقد قالتها ابنته فاطمة رضي الله عنها : ( كيف طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ التُّرَابَ ) ، فبعدما فارقت روحه الزكية جسده الطاهر، انتشر خبر الوفاة في أرجاء المدينة، فاضطرب المسلمون لذلك اضطرابًا عظيمًا، وفزعوا فزعًا شديدًا، وتساءلوا أحقًا مات رسول الله ؟ أحقًا أنهم لا يرونه مرة أخرى؟ تباينت ردود الأفعال ما بين مكذَّب ومصدِّق، فمنهم من ضجَّ بالبكاء، ومنهم طاش عقله، ومنهم من صمت فأصبح لسانه معقودًا عن الكلام، ومنهم من قعد لا يستطيع أن يقف على قدميه ، حقًا: لقد أظلمت المدينة على ساكنيها وحُق لها أن تُظلمَ، فالخطب جسيم، والمصاب عظيم،


فَالأرضُ مِن بعدِ النبيّ كئيبةٌ   ***   أَسفاً عليه كثيرةُ الرجفانِ

فَلَيبكهِ شرقُ البلادِ وغربُها   ***   وَليَبكهِ مضرٌ وكلّ يَماني

وَلَيبكهِ الطور المعظّمُ جوّهُ   ***   وَالبيتُ ذو الأستارِ والأركانِ


صلى الله وسلم على رسولنا وأسوتنا وحبيبنا ، قال أبو سلمة بن عبد الرحمن رضي الله عنه: "اقتحم الناس على النبي في بيت عائشة ينظرون إليه فقالوا: كيف يموت وهو شهيد علينا ونحن شهداء على الناس فيموت ولم يظهر على الناس؟ لا والله ما مات ولكنه رُفع كما رُفع عيسى بن مريم عليه السلام وليرجعن! وتوعدوا من قال إنه مات، ونادوا في حجرة عائشة على الباب: لا تدفنوه فإن رسول الله لم يمت" شرف المصطفى لأبي سعد النيسابوري (3/147)، إنه الحب وأي حب أبلغ من حب الصحابة الأبرار لرسول الله ، فهو المعلم والملهم والقائد والمربي والمرشد والمنقذ عليه الصلاة والسلام .  


 اجتمع الناس في المسجد، ضج من كثرة البكائين الذين يموجون ولا يسمعون، خرج إليهم العباس بن عبد المطلب عم رسول الله و رضي الله عنه، فقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ: هَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ عَهْدٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ فِي وَفَاتِهِ فَلْيُحَدِّثْنَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ يَا عُمَرُ مِنْ عِلْمٍ؟ قَالَ: لَا. قَالَ الْعَبَّاسُ: أَشْهَدُ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ لِعَهْدٍ عَهِدَهُ إِلَيْهِ فِي وَفَاتِهِ، وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَقَدْ ذَاقَ رَسُولُ اللهِ الْمَوْتَ" السير النبوية لابن كثير (4/481)، وصل الخبر لأبي بكر رضي الله عنه ، وكان في أنحاء المدينة، فأَقْبَلَ مسرعًا والحزن يعلوه "حَتَّى نَزَلَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى شَيْءٍ حَتَّى دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ مُسَجًّى فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، عَلَيْهِ بُرْدٌ ، فَأَقْبَلَ حَتَّى كَشَفَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ:" بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ما أطيبك حيًّا وميتًا ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَقَدْ ذُقْتهَا، ثُمَّ لَنْ تُصِيبَكَ بَعْدَهَا مَوْتَةٌ أَبَدًا". تقول عائشة دخل أبو بكر على النبي بعد وفاته ، فوضع فمه بين عينيه ووضع يديه على صدغيه وقال : " وانبياه، واخليلاه، واصفياه " إنه الصَّديق الصِّدِّيق خليل الروح ، الصديق الوفي ، ثم رَدَّ الْبُرْدَ عَلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ، ثُمَّ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: "عَلَى رِسْلِكَ يَا عُمَرُ، أَنْصِتْ"، فَأَبَى إلا أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ لا يَنْصِتُ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ كَلامَهُ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ". ثُمَّ تَلا هَذِهِ الْآيَة: ]وَما مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ[(آل عمران: 144) انظر: سيرة ابن هشام (2/656)، فنشج الناس يبكون ، ولما تلا أبو بكر الآية "لَكَأَنَّ النَّاسُ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ حَتَّى تَلاهَا أَبُو بَكْرٍ يَوْمئِذٍ"، وَأَخَذَهَا النَّاسُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّمَا هِيَ فِي أَفْوَاهِهِمْ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ عُمَرُ: "وَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا، فَعَقِرْتُ حَتَّى وَقَعْتُ إلَى الْأَرْضِ مَا تَحْمِلُنِي رِجْلَايَ، وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ مَاتَانظر: سيرة ابن هشام (2/656)، لله در الصديق ، أي ثبات هذا؟ أي يقين هذا؟ أي ارتباط بالقرآن وآياته؟ سبحان من قيَّض هذا الرجل العظيم ليثبت المضطرب، ويرد المحتار، ويضمِّد الجراح، ويعيد للمسلمين رشدهم! فالرجال مواقف ، إي والله الرجال مواقف ، وعند الشدائد تُبلى النفوس وتُختبر ، رباطة جأش وقوة تحمل ، وحسن تصرف ، تمر الشدائد على الأمة اليوم تلو الشدائد فما أحوجها في مثل هذه الظروف لأمثال هؤلاء الرجال الذين يعيشون مع القرآن دستور هذه الأمة وهاديها ومنقذها ، فلا عجب أن يكون أبوبكر أولى الناس بالخلافة بعد رسول الله ، نعم رسول الله قد مات، أتتحمل قلوبكم هذه الكلمات ، رسول الله قد مات ودين الله أبقى من أي رسول أو داعية، فلما أنصتوا للقرآن وآياته هدأت أنفسهم ، هكذا المؤمن مع القرآن ، هكذا أنزل الله القرآن على المسلمين ليكون سبب ثبات لهم عند الملمات ، فآه لأمة القرآن لو رجعت للقرآن خاصة عند الشدائد والفتن ، وقبل أن يُجهزَ رسول الله للغسل والدفن، بايع المسلمون أبا بكر بالخلافة، في سقيفة بني ساعدة، حتّى لا يجد الشيطان سبيلًا إلى تفريق كلمتهم، وتمزيق شملهم،  فلما استقرت الأمور لأبي بكر الصديق شرع الصحابة في تغسيل النبي وتكفينه فاختلفوا، هل نجرده من ثوبه، أم نغسله في ثوبه؟ تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ رَسُولِ اللَّهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي، أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَوْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ قَالَتْ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّوْمَ، حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا ذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنْ اغْسِلُوا النَّبِيَّ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، قَالَتْ: فَقَامُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ، وَيَدْلُكُونَهُ وَالْقَمِيصُ دُونَ أَيْدِيهِمْ" سيرة ابن هشام (2/662) غسله علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكان عمه العباس وابنه الفضل يعينانه في تقليب جسده الشريف فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ غَسْلِ رَسُولِ اللَّهِ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثَوَابَ، ثَوْبَيْنِ صُحَارِيَّيْنِ وَبُرْدٍ حَبِرَةٌ، أُدْرِجَ فِيهَا إدْرَاجًا، فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ جَهَازِ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وُضِعَ فِي سَرِيرِهِ فِي بَيْتِهِ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ، فَقَالَ قَائِلٌ: نَدْفِنُهُ فِي مَسْجِدِهِ وَقَالَ قَائِلٌ: بَلْ نَدْفِنُهُ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ   يَقُولُ: مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إلَّا دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ"، فَرُفِعَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِي تُوُفِّيَ عَلَيْهِ، فَحُفِرَ لَهُ تَحْتَهُ، ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ أَرْسَالًا (جمَاعَة بعد جمَاعَة)، دَخَلَ الرِّجَالُ، حَتَّى إذَا فَرَغُوا أُدْخِلَ النِّسَاءُ، حَتَّى إذَا فَرَغَ النِّسَاءُ أُدْخِلَ الصِّبْيَانُ. وَلَمْ يَؤُمَّ النَّاسَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أَحَدٌ انظر: سيرة ابن هشام (2/664)، فلما انتهوا إلى موضعه ، قالوا: كيف نبني قبر رسول الله ، أنجعله مسجدا؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: ((لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ))، قالوا: كيف نحفر له؟ فقال أبو بكر: "إن من أهل المدينة رجلا يلحد، ومن أهل مكة رجل يشق، اللهمّ فأطلع علينا أحبهما إليك أن يعمل لنبيك"، فاطلع أبو طلحة- وكان يلحد- فأمره أن يلحد رسول الله ، قال: ثم دُفن ونُصب عليه الَّلبِن" انظر: شرف المصطفى (3/157)، دُفن الجسد الشريف في غرفة عائشة رضي الله عنها وحجرتها، صلت عليه الملائكة وصلى عليه الصحابة وأهل بيته الأقرب فالأقرب، ولما صُلِّي عليه ودُفن وسمعت أصوات المسَّاحين في الليل، وهي تهيل التراب على جسد الحبيب صرخ نساء ، وضجت المدينة بالبكاء، وبكت فاطمة رضي الله عنها وهي تقول:" يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاه" ، قال أبو ذؤيب الهذلي : "قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج ، فقلت: ما الأمر؟ قالوا: قبض رسول الله " ، رضوان الله تعالى على صحابة رسول الله أجمعين ، فلم تكن عقولهم وقلوبهم تطيق ثقل المصيبة ، فلم يُصب الصحابة بمصاب أعظم من ذلك اليوم ، حتى قال حسان بن ثابت رضي الله عنه :


لقدْ غيَّبوا حِلمًا وعلمًا ورحمــةً ** عشيةَ علَّوهُ الثرَى لا يُوَسّـــدُ!

وراحُوا بحزنٍ ليسَ فيهم نبيّهم ** وقدْ وهنتْ منْهم ظُهُورٌ وأعْضُدُ

يُبكُّونَ من تبكِي السماواتُ يومَه ** ومنْ قدْ بكتْهُ الأرضُ فالناسُ أكْمدُ

وهــــلْ عَدَلتْ يومــًا رزّيةُ هالكٍ ** رزيةَ يومَ مـــاتَ فيهِ محمّـــــدُ!؟


دُفن يوم الثلاثاء الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة للهجرة النبوية وكان عمره ثلاث وستين سنة ، يقول أنس: " قَلَّ لَيْلَةٌ تَأْتِي عَلَيَّ إِلَّا وَأَنَا أَرَى فِيهَا خَلِيلِي " يقول ذلك وتدمع عيناه ، ويقول : "و لَمَّا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ الْأَيْدِي وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا " ، فآه لقلوب المؤمنين بعد وفاة ودفن رسول الله ، فما زلنا والله حتى اليوم ننكر قلوبنا وضعف أنفسنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس ، كيف وقد انقطع حبل السماء وخُتمت الأنبياء ، لكن عزاؤنا لإن مات النبي وفارقت روحه الحياة فهو معنا في كل اللحظات ، معنا في صلاتنا وسائر عباداتنا ، معنا بأخلاقه الطاهرة ، وأخباره العاطرة ، إنه فينا بسنته التي أوصانا الله تعالى بها من فوق سبع سماوات ]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[ [الأحزاب: 21] بل جعلها علامة صدقنا في حبه ، كما قال تعالى: ]قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ[[آل عمران:31]، و والله ما أحوجنا في واقعنا المعاصر للتمسك بسنته والعض عليها بالنواجذ ، وتعليماه الصغير والكبير ، لذلك استعرضناها من بدايتها إلى نهايتها فلنعمل على نشرها وإحيائها، وتعليمها وتطبيقها، ولنزود عنها بأرواحنا ودمائنا! و لنعمق مفهوم الحب النبوي الذي عاشه الأولون ففازوا بخيري الدنيا والآخرة!

اللهم اجعل حب نبينا أحب إلينا من أنفسنا ومن أهلينا والناس أجمعين ، اللهم إن رسولك محمد قام بالرسالة وبلغ الأمانة ونصح الأمة وجاهد وصبر ، فاللهم في هذا اليوم العظيم الفضيل يوم الجمعة في هذه الساعة المباركة آته الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته ، اللهم اجمعنا معه بحبنا له وبمجاهدة أنفسنا لاتباعه بجنة الفردوس برحمتك يا أرحم الراحمين ، ربنا لا تحرمنا بذنوبنا وتقصيرنا مرافقته بجنات النعيم ، ربنا اسقنا من يده الشريفة ماء الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبدا. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .