خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
9397353
زوار الشهر :
220987
زوار اليوم :
7839


ماذا  بعد القبر؟ 19/8/1426هـ

 

الحمد لله الحي الذي لا يموت،توحد بالديمومة والبقاء،وتفرد بالعزة والكبرياء،وأشهد أن لا إله إلا الله ،هو أغنى وأقنى،وأضحك وأبكى ، وأمات وأحيا، نحمده سبحانه ونشكره،ونتوب إليه ونستغفره،وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وخير من اقتفى .

أما بعد: فبعد الخطبة الماضية عن دار البرزخ، وأحداث أول ليلة في القبر وما بعدها، تساءل البعض : ماذا بعد القبر؟ فأقول: بعد القبر مواقف تشيب منها الولدان، ]و تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ([الحج:2]. وقال تعالى: ] الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ()وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ()يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ()وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ( يوم القيامة، وما أدراك ما يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يوم يجد كل عامل عمله أمامه، يوم الزلزلة ، يوم الواقعة ،يوم الغاشية، يوم الميعاد ،يوم المرصاد، يوم الحساب، يوم المآب، يوم القضاء، يوم الجزاء، يوم تبلى السرائر، يوم تخرج الضمائر، يوم لا تغني نفس عن نفس شيئاً، يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً ،والأوصاف للقيامة في القرآن كثيرة،كلها مروعة مخوفة لأنها عظيمة، ومن لم يؤمن بها، فلن يعمل لها، وما أكثر الناس الذين يجهلون حقاً ماذا بعد القبر؟ فلعلي ألخصه في هذه الكلمات، فأذكر لكم الأمور التي يمر بها الإنسان حتى يصير إلى جنة أو نار، نسأل الله لنا ولكم ولمسلمين الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل، أول ما يكون بعد القبر إذا أذن الله بقيام الساعة: إعادة  الأرواح إلى الأجساد، ويكون ذلك بعد النفخة الثانية في الصور،وذلك بعد أن فارقتها بالموت،وهذه غير الإعادة التي تكون في البرزخ حين سؤال الميت عن ربه ودينه ونبيه ، وذلك أن الله يأمر إسرافيل فينفخ في الصور،فيصعق من في السماوات والأرض، إلا من شاء الله،ثم ينفخ فيه مرة أخرى فتتطاير الأرواح من الصور إلى أجسادها،وتحل فيها.فالبعث إعادة وليس تجديداً ،إعادة لما زال وتحول؛فإن الجسد يتحول إلى تراب، والعظام تكون رميماً فيجمع الله تعالى هذا المتفرق،حتى يتكون الجسد،فتعاد الأرواح إلى أجسادها، فإذا قيل: ربما يؤكل الإنسان من قِبَلِ السباع ،ويتحول جسمه الذي أكله السبع إلى تغذية لهذا الآكل تختلط بدمه ولحمه وعظمه وتخرج في روثه وبوله ؟ فالجواب: أن الأمر هين على الله؛يقول:كن فيكون،ويتخلص هذا الجسم الذي سيبعث من كل هذه الأشياء التي اختلط بها،وقدرة الله عز وجل فوق ما نتصوره،فالله على كل شيء قدير .أليس في الحديث المتفق عليه، في الرجل الذي أسرف عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: ((إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ)). إذاً فالله على كل شيء قدير. والأمر الثاني مما يكون بعد القبر: إذا عادت الأرواح إلى أجسادها؛ يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً .قال تعالى :]وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ()يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ(. فيقومون لهذا النداء العظيم من قبورهم لربهم عز وجل ،قال تعالى: ]أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ()لِيَوْمٍ عَظِيمٍ() يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(. يقومون حفاة: ليس عليهم نعال ولا خفاف، عراة: ليس عليهم لباس للجسد. غرلاً: لم ينقص من خلقهم شيء، والغرل: جمع أغرل، وهو الذي لم يختن؛ أي أن القلفة التي قطعت منه في الدنيا تعود يوم القيامة؛ لأن الله يقول: ]كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ(. فيعاد كاملاً لم ينقص منه شيء، يعودون على هذا الوصف مختلطين رجالاً ونساءً، كما حدث النبي r بذلك؛ فقالت عائشة: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ؟ فقال:الأمر أشد من أن يهمهم ذلك " وفي رواية : من أن ينظر بعضهم  إلى بعض " .فلكل إنسان له شأن يغنيه :"يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه ".حتى إن ابنه أو أباه يفر منه ؛خوفاً من أن يطالبه بحقوق له،وإذا كان هذا هو الواقع؛فإنه لا يمكن أن تنظر المرأة إلى الرجل ، ولا الرجل إلى المرأة ؛ فالأمر أشد وأعظم ،ولكن:مع ذلك ؛ يُكسون بعد هذا،وأول من يكسى إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .الأمر الثالث:مما يكون بعد القبر: تدنو منهم الشمس مقدار ميل.وهذا الميل سواء كان المسافة ،أو ميل المكحلة ؛فإنها قريبة،وقد يقال: المعروف الآن أن الشمس لو تدنو بمقدار شعرة عن مستوى خطها؛لأحرقت الأرض فكيف يمكن أن تكون في ذلك اليوم بهذا المقدار من البعد،ثم لا تحرق الخلق ؟فالجواب:أن الناس يحشرون يوم القيامة ليسوا على القوة التي هم عليها الآن،بل هم أقوى وأشد تحملاً .فلو أن الناس الآن وقفوا خمسين يوماً لا ظل ولا أكل ولا شرب لماتوا ،لكن يوم القيامة يبقون خمسين ألف سنة ؛ لا أكل ولا شرب ولا ظل ،إلا من أظله الله عز وجل ،ومع ذلك يشاهدون أهوالاً عظيمة فيتحملون.واعتبروا بأهل النار كيف يتحملون هذا التحميل العظيم ،"كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ".وبأهل الجنة ؛ ينظر الإنسان إلى ملكه مسيرة ألف عام إلى أقصاه؛كما ينظر إلى أدناه؛كما روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أحمد2/64 والترمذي 2553.فإن قيل : هل أحد يسلم من الشمس هناك ؟ فالجواب:نعم هناك أناس يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله،كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم الله  في ظله. وقوله: لا ظل إلا ظله :" يعني إلا الظل الذي يخلقه،وليس كما توهم بعض الناس أنه ظل ذات الرب عز وجل؛فإن هذا باطل ؛ لأنه يستلزم أن تكون الشمس حينئذ فوق الله عز وجل . الأمر الرابع مما يكون بعد القبر: يلجمهم العرق: أي يصل منهم إلى موضع اللجام من الفرس،وهو الفم،ولكن هذا غاية ما يصل إليه العرف،وإلا فبعضهم يصل العرق إلى كعبيه وإلى ركبتيه ،وإلى حقويه،ومنهم من يلجمه،فهم يختلفون في هذا العرق،ويعرقون من شدة الحر،لأن المقام مقام زحام وشدة ودنو شمس، فيعرق الإنسان مما يحصل في ذلك اليوم؛لكنهم على حسب أعمالهم ،فتفكر في نفسك أيها المسكين ،وقد ضاق نَفَسُك وزاد قلقك،وسال عرقك وجرى من جميع بدنك من قرنك إلى قدمك. الأمر الخامس مما يكون بعد القبر: نصب الموازين لتوزن بها أعمال العباد ،وقد وردت النصوص بالجمع"موازين"،وبالإفراد "ميزان"،فمثال الجمع:قول الله تعالى:"والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون،ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم".وأما الإفراد فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" كلمتان حبيبتان إلى الرحمن،خفيفتان على اللسان،ثقيلتان في الميزان:سبحان الله وبحمده،سبحان الله العظيم". فقال:"في الميزان " فأفرد‍‍؟‍، فكيف نجمع بين الآيات القرآنية وبين هذا الحديث؟.الجواب:إنها جمعت باعتبار الموزون،حيث إنه متعدد، وأفردت باعتبار أن الميزان واحد، نسأل الله أن يُثقل ميزاننا وأن يرحمنا أجمعين . الأمر السادس: مما يكون بعد القبر: تنشر الدواوين.أي: تفرق وتفتح لقارئها.و"الدواوين" جمع ديوان ،وهو السجل الذي تكتب فيه الأعمال التي كتبتها الملائكة الموكلون بأعمال بني آدم؛كما قال الله تعالى:" كلا بل تكذبون بالدين،وإن عليكم لحافظين،كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون " فيكتب هذا العمل،ويكون لازماً للإنسان في عنقه، فإذا كان يوم القيامة،أخرج الله هذا الكتاب،قال تعالى:"وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً".قال بعض السلف: لقد أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك، . "كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً"،وهذا من تمام العدل والإنصاف: أن يوكل الحساب إلى الإنسان نفسه ،والإنسان العاقل لابد أن ينظر ماذا كتب في هذا الكتاب الذي سوف يجده يوم القيامة مكتوباً ،وهو لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ،فانظر ماذا تكتب فيه.ومن رحمة الله بنا أن أمامنا باب يمكن أن يقضي على كل السيئات التي تكتب فيه،وهو التوبة، وإذا تاب العبد إلى الله مهما عظم ذنبه ؛ فإن الله يتوب عليه ، وحتى لو تكرر الذنب منه، وهو يتوب؛ فإن الله يتوب عليه ؛فلنبادر ما دام الأمر فسحة؛ ولنحرص على أن لا يكتب في هذا الكتاب إلا العمل الصالح ، فهاهو الموت يتخطف الناس من حولنا في كل لحظة، فمن يتعظ؟! الأمر السابع مما يكون بعد القبر:يحاسب الله الخلائق .والمحاسبة:إطلاع العباد على أعمالهم يوم القيامة؛ "فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيراً".وقال :"إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم "وأما السنة فكان النبي  صلى الله عليه وسلم يقول :"..اللهم حاسبني حسابا يسيرا "فقالت عائشة رضي الله عنها ما الحساب اليسير ؟ قال:"أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه"رواه أحمد وقال الألباني في تخريج السنة :إسناده صحيح (2/429) وروى البخاري في صحيحه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك فقلت يا رسول الله ! أليس قد قال الله تعالى:"فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك"،والمحاسبة تشمل كل مخلوق، إلا أنه يستثنى من ذلك من يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب؛كما ثبت ذلك في الصحيحين:أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أمته ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب ، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون .وقد روى الإمام أحمد بسند جيد: أن مع كل واحد سبعين ألفاً. فتضرب سبعين ألفاً بسبعين ألفاً ويزاد سبعون ألفاً. هؤلاء كلهم يدخلون الجنة لا حساب ولا عذاب ، نسأل الله الكريم من فضله. وصفة حساب المؤمن:أن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول:أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟فيقول : نعم أي رب حتى قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك ،قال:سترتها عليك في الدنيا ،وأنا أغفرها لك اليوم ،فيعطى كتاب حسناته ".وأما الكفار؛فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته فإنهم لا حسنات لهم،ولكن يحاسبون محاسبة تقرير وتقريع فتعد أعمالهم وتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويخزون بها،كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"وأما الكفار والمنافقون ؛ فينادى بهم على رؤوس الخلائق : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين"متفق عليه. وأول ما يحاسب عليه العبد من الأعمال الصلاة ،وأول ما يقضى فيه بين الناس الدماء ؛لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية ،والدماء أعظم ما يعتدى به في حقوق الآدميين. الأمر الثامن مما يكون بعد القبر: ورود الحوض. والحوض في الأصل: مجمع الماء،والمراد به هنا:حوض النبي صلى الله عليه وسلم،ويصب فيه ميزابان من الكوثر،وهو النهر العظيم الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة؛ وزمن الحوض قبل العبور على الصراط، لأن المقام يقتضي ذلك حيث إن الناس في حاجة إلى الشرب في عرصات القيامة قبل عبور الصراط. ولونه أشد بياضاً من اللبن ،وطعمه:أحلى من العسل،ورائحته أطيب من ريح المسك،كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، و"من يشرب منه شربة؛ لا يظمأ بعدها أبداً ،حتى على الصراط وبعده. نسأل الله الكريم من فضله. الأمر التاسع مما يكون يوم القيامة: الصراط :"والصراط منصوب على متن جهنم وهو الجسر الذي بين الجنة والنار". ويمر المؤمنون فقط لأن الكفار قد ذُهب بهم إلى النار، فيمر الناس عليه على قدر أعمالهم ، منهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق،ولمح البصر أسرع من البرق،ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل ،وهي دون الفرس الجواد بكثير،ومنهم من يعدو عدواً ؛ أي يسرع ،ومنهم من يمشي مشياً،ومنهم من يزحف زحفاً، فالسير على حسب سرعته في قبول الشريعة في هذه الدنيا، فمن كان سريعاً في قبول ما جاء في الكتاب والسنة، ؛كان سريعاً في عبور الصراط، ومن كان بطيئاً في ذلك ؛كان بطيئاً في عبور الصراط، جزاء وفقاً، والجزاء من جنس العمل.ومنهم من يُخطف،أي:يؤخذ بسرعة وذلك بالكلاليب التي على الجسر؛تخطف الناس بأعمالهم .فيلقى في جهنم، فتصور نفسك أخي وأنت تحاول العبور على صراط أحَد من السيف وأدق من الشعرة ، لهيب جهنم وسعيرها تحتك ،زفيرها يملأ أذنيك ،ومنظرها المفزع أطار قلبك وعينيك ، تحاول المرور فلا تقدر ،تفكر في النهوض فلا تسطع ، تريد النجاة ،تبحث عن الخلاص؟ فاستعد الآن أخي فلن ينهض بك إلا سعيك الذي سعيت ،ولا يحملك إلا مركوبك الذي ركبت ،فلتتخير الآن أي المراكب تركبها ،وأي الطرق تسلكها،ومن بطأ به عمله لم يُسرع به نسبه . والله المستعان وعليه التكلان، ثم بعد عبور الصراط يقفون على قنطرة بين الجنة والنار،والقنطرة:هي الجسر لكنها جسر صغير، وسبب وقوفهم على القنطرة ليقتص لبعضهم من بعض، وهذا القصاص غير القصاص الأول الذي في عرصات القيامة،لأن هذا القصاص أخص ،وهو بمثابة التنقية والتطهير،حتى يذهب الغل والحقد والبغضاء التي في قلوب المؤمنين،فما في القلوب لا يزول بمجرد القصاص ،فكانت هذه القنطرة التي بين الجنة والنار،لتنقية  القلوب،فيدخلوا الجنة وليس فيها غل،كما قال تعالى: :"ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين " .وكما في حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار ،فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا ،حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة ،فو الذي نفس محمد بيده ،لاحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله كان في الدنيا "رواه البخاري .وقبل دخولها يجدون بابها مغلقاً، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع إلى الله في أن يفتح لهم باب الجنة . فتأتي تلك اللحظات، أمنية الأمنيات، آخر المحطات"سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار"،"سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين"، آهٍ ما أعظمها من دار، رياضها مجمع المتحابين، وحدائقها نزهة المشتاقين، وخيامها اللؤلؤية على شواطئ أنهارها بهجة للناظرين،آهٍ ما أعظمه من نعيم، اسأل نفسك: أخي: يا ترى أهي آخر محطة لي، أهي نزلي وراحتي، أحقاً سأكون ممن يقال لهم: لكم النعيم سرمداً ، تحيون و لا تموتون أبداً ، و تصحون و لا تمرضون أبداً ، تشبون و لا تهرمون أبداً ، و تنعمون و لا تبأسون أبداً ، يحل عليكم رضوان ربكم فلا يسخط أبداً، إنه دخول الجنة ، آخر محطة من محطات رحلة ما بعد القبر، وأول من يستفتح باب الجنة محمد صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم:" أنا أول من يقرع باب الجنة"وفي لفظ:"آتي باب الجنة يوم القيامة ، فأستفتح، فيقول الخازن:من أنت؟ فأقول:محمد فيقول:بك أمرت لا أفتح لأحد من قبلك".وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته صلى الله عليه وسلم ، كما في صحيح مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" نحن الآخرون الأولون يوم القيامة،ونحن أول من يدخل الجنة".وأبواب الجنة ثمانية؛قال تعالى:"حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها"وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن توضأ وأسبغ الوضوء وتشهد:"إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية:يدخل من أيها شاء".وهذه الأبواب بحسب الأعمال،لأن كل باب له عمال فأهل الصلاة ينادون من باب الصلاة،وأهل الصدقة من باب الصدقة،وأهل الجهاد من باب الجهاد،وأهل الصيام من باب الريان.وقد يوفق الله عز وجل بعض الناس لأعمال صالحة شاملة؛فيدعى من جميع الأبواب؛كما في الأدلة، فقد يوفق بعض الناس فيكون نشيطاً قوياً في جميع الأعمال فيدخل من الأبواب الثمانية،وقد ينشط في عمل دون عمل فيدخل من الباب المخصص له .نسأل الله الجنة وما قرب إليها من قول وعمل. عباد الله: هذه أمور عشرة توضح باختصار ما بعد القبر ، وما يمر به الناس في يوم واحد هو يوم القيامة ،يوم مقداره خمسين ألف سنة، فهل سألنا أنفسنا :ماذا أعددنا له ولأهواله ؟    

أخي توخَّ طريقَ النجاة    وقدم لنفسك قبل الممات

وشمر بجد لما هو آتِ      ولا تغترر بسراب الحياة

          فإنك عما قريب تموت

اللهم أحسن وقوفنا بين يديك يوم العرض ،وارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض ،برحمتك يا أرحم الراحمين . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين،فاستغفروه إنه الغفور الرحيم .

                    

الخطبة الثانية

الحمد لله خلق آدم من تراب ،والصلاة والسلام من أنار الله به البصائر والألباب، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واتبع هداه إلى يوم الموعد والمآب، أما بعد: إخوة الإيمان: لا تغتروا بما أنتم فيه من حسن الحال، واحذروا الدنيا وفتنتها، واعملوا لآخرتكم، استعدوا للقبر وما بعده، فمن أراد النجاة فالآن الآن قبل الممات، وليحذر طول الأمل والغفلات، اللهم أحينا على طاعتك ومرضاتك، واقبضنا على التوحيد، وهوّن علينا سكرات الموت وزفراته. اللهم اجعل الحياة لنا زيادة في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، اللهم بارك لنا فيما تبقى من شعبان، وبلغنا شهر رمضان، ونحن بأتم صحة وعافية، واجعلنا ممن يصومه ويقومه إيماناً واحتساباً، اللهم انصر دينك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم وانصر المجاهدين في سبيلك، واجمع كلمتهم ،وصوب رأيهم ، وسدد رميهم، واحفظهم بحفظك من كل سوء ، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم شتت شملهم، ومزق صفهم، واجعل الدائرة عليهم ياقوي يا عزيز، اللهم من أراد المسلمين في كل مكان بسوء فأشغله بنفسه،واجعل كيده في نحره،وتدبيره تدميراً عليه، اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووفق ولاة أمرنا لنصرة الإسلام في كل مكان، واجمع كلمة علماء المسلمين ،ووحد صفهم ،وسدد رأيهم ،وانفع بعلمهم ، وقو عزيمتهم ،ولا تجعل الدنيا أكبر همهم ،واحفظهم بحفظك يارب العالمين ، اللهم فرج هم المهمومين،واشف جميع مرضى المسلمين،وصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،والحمد لله رب العالمين.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
من المحبيــــــن ( سماء الاسلام )
9/3/1431
اللهــــــــــــم أسترنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض يارب تثبتنا عند سؤال الملكين يارب تخفف علينا وعلى كل مسلم ضغطة القبر
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :