خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
11754788
زوار الشهر :
144626
زوار اليوم :
7032


وفاة الملك فهد (30/6/1426هـ)

 

الحمد لله ]الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ[. والقائل: ]فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ () وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ () وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ[ والقائل: ]كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي () وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ () وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ () وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسـَّاقِ () إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ[ وصلَّى الله على نبينا محمد القائل: ((وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)) صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ..أما بعد:

كيف أُبْدي بأحـرُفي مـا أريدُ           وبماذا  تُراه  يحكي القصيــدُ

كُلّ يوم تَدُقُّ بـابي عِظــاتٌ           ويهزّ  الفؤادَ خطبٌ جديــدُ

ويحَ نفسي ألَمْ  تُفِقْ مِنْ هَوَاهـا        أوَمَا هَزَّ خَافِقَيْهَا الـوَعِــيدُ

يُصْبِحُ  العبدُ  في بنيهِ، ويُمْـسِي        وهو تحت الترابِ فردٌ وحيـدُ

آهٍ من  يـومِ سكرتي وممــاتي       حينما أنثني وروحي تـجـودُ

أستغيثُ  الطبيبَ  ماذا  جرى لي        قيلَ هذا ما كنتَ منـهُ تحـيدُ

لم تُغثني دموعُ مَنْ كانَ حـولي         لا ، ولا عُدَّةُ  الطّبيبِ تُـفـيدُ

إنه الموت!! مُفَرِّقُ الجماعات، وهادم اللذات، لا يملك أحد من المخلوقين مهما بلغ ملكه له ردًّا، ولا يستطيع أحد مهما كان جنده له دفعًا، لا يعرف صغيرًا ولا كبيرًا، ولا ملكًا ولا مملوكًا، ]قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(. لا إله إلا الله! ما أجلّ حكمته! وما أعظم تدبيره! تلك هي الدنيا، خدّاعة غدّارة، فتّانة غرّارة، تُضحك وتبكي، وتجمع وتشتت، شدة ورخاء، وسراء وضراء، لكن أين من يتعظ ويعتبر؟! فالموت أمر واقع، ماله من دافع، لا مردَّ له ولا شافع؛ ]كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ[. إنه الموت قد فضح الدنيا فلم يدع لذي لبّ بها فرحًا، فقد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا - أيها العقلاء- نعيمًا لا موت فيه، فلقد أمِنَ أهل الجنة الموت. رحم الله عمر بن عبد العزيز إذ قال: "لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد". وكان -رحمه الله- يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة"، ودخل مالك بن دينار المقابر ذات يومٍ فإذا رجلٌ يُدْفَن فجاء حتى وقف على القبر فجعل ينظر إلى الرجل وهو يدفن فجعل يقول: "مالكٌ غدًا هكذا يصير، وليس له شيء يتوسده في قبره، فلم يزل يقول: غدًا مالكٌ هكذا يصير، غدًا مالكٌ هكذا يصير، حتى خرّ مغشيًا عليه في جوف القبر، فحملوه إلى منزله"، ونحن ندخل المقابر، ونقف على القبور، ونصلي على الجنازة، ونحمل الجنازة، ونضع الجنازة، وحامل الجنازة اليوم محمول غدًا، فهل غُشي علينا؟ بل هل خفقت قلوبنا؟ هل اقشعرت أبداننا؟ هل دمعت عيوننا؟ آهٍ لقسوة قلوبنا؟! حتى الموت لم يعد واعظًا لنا؟! آهٍ لشدة غفلتنا؟ آهٍ لكثرة ذنوبنا؟ آهٍ لقلة زادنا؟ الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، فما الذي جرى للناس؟! ألم يقل طبيب القلوب r: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ))؟. إنه الموت!! و((كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا)). فمن لم يعظه الموت فمن؟! ومن لم تعظه مشاهد الاحتضار فمن؟! ومن لم تعظه سكرات الموت فمن؟! لما حضرتْ عَمْرَو بْنَ العاصِ الوفاةُ: قال له ابنه: "يا أبتاه! إنك لتقول لنا ليتني كنت ألقى رجلاً عاقلاً لبيبًا عند نزول الموت حتى يصف لي ما يجد. وأنت ذلك الرجل فصف لي الموت! فقال: يا بني! واللهِ كأن  نفسي في تخت، وكأن السماء قد انطبقت على الأرض وأنا بينهما، وكأني أتنفس من سم إبرة، وكأن غصن شوك يُجذب من قدمي إلى هامتي". وقال عمر بن الخطاب t لكعب الأحبار: "يا كعب! حدثنا عن الموت؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين! إن الموت كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل، وأخذت كل شوكة بعرق، ثم جذبه رجل شديد الجذب، فأخذ ما أخذ وأبقى ما أبقى". لا إله إلا الله! إنه وصف للموت عجيب مهيب، لهذا كان السلف يهتمون كثيرًا للحظات الاحتضار، فهذا عمر بن الخطاب t خليفة المسلمين لما طعن قال لابنه: "ضع خدي على التراب، فوضعه. فبكى حتى لصق الطين بعينيه وجعل يقول: "ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي". وقال أبو الدرداء عند احتضاره: "ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا ؟ ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه؟ ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا ؟ وبكى. فقالت له امرأته: أتبكي وقد صاحبت رسول اللهe. فقال: ومالي لا أبكي ولا أدري علام أُهْجَمُ من ذنوبي؟. إنه الموت لا يعرف خليفة ولا مخلوفًا، ولا إمامًا ولا مأمومًا، فاللهم اغفر لنا ذنوبنا، وهون علينا ساعات الاحتضار وسكرات الموت، أين القلوب التي في الصدور ؟! أين هي عن الاتعاظ والاعتبار؟! أين هي بالأمس وهي تشاهد عشرات القنوات، وبكل اللغات، تنقل مشاهد جنازة فقيد البلاد الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله، والذي أصيب المسلمون عمومًا، وأهل هذا البلد خصوصًا بوفاته، ولا شك أن هذا قضاء الله وقدره، وأن كل نفس ذائقة الموت، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا بما أصابنا، وإن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، وله الحمد على ما قدر وقضى، وأحسن الله عزاءنا، وجبر مصابنا، وأعظم أجرنا. ]وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ () الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ () أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(. وعزاؤنا أن الموت حق، وأن ]كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ () وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ( وأن الله تعالى هو الذي يقبض الأرواح، وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، وأن الله تعالى يختار لعباده ما عنده، فعلينا أن نصبر ونحتسب، وأن نكثر من الدعاء للفقيد، وأن نتعظ ونعتبر فلم تترك عدسات الكاميرات خطوة ولا جهة من أرض الحدث إلا ونقلتها كأننا نشاهدها عيانًا، بل أفضل من لو كنا شاهدنا المشهد بأنفسنا، لقد كانت كل المشاهد تؤكد عظمة الإسلام، وروعة تطبيق سنة سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام، فقد كانت مشاهد الجنازة ببساطتها وهيبتها بمثابة رسالة لكل العالم وكل الأديان، أن هذا هو الإسلام، وأن هذه هي تشريعاته وتوجيهاته، بعيدًا عن بدع الجنائز، وعن الغلو والتعظيم، وبعيدة كل البعد عن تسييس نهايات الملوك والرؤساء، لقد جاءت مشاهد جنازة الملك فهد رحمه الله ببساطتها وشرعيتها؛ لتجلو الصدأ والران والجهل والألم الذي خلفته مشاهد عدد من الجنائز السابقة لعدد من الرؤساء، بتعظيمها والغلو فيها، وجعلها مزارات وأضرحة ومشاهد تتعلق بها قلوب العوام والمساكين؟! لقد كانت مشاهد الجنازة حقًّا رسالة مباركة بأن هذه هي السنة المحمدية، وهذه هي عقيدة وشريعة هذه البلاد المباركة، وقد وصلت الرسالة مجلجلة في كل مكان في عصر البث الفضائي، فقد كانت علامات الإعجاب والدهشة ببساطة منهج الإسلام عند الموت، تلهج بها كل المحطات والقنوات العالمية وتتحدث بكل اللغات عن هذه الشعائر، فهل يعقل أن يُلف الملك بكفن بسيط؟ وأن يغطى بعبائته بهذا الشكل البسيط؟ وهل يعقل أن يُحمل الملك على نعش بسيط؟ وأن يحمل على الأكتاف بهذا البساطة؟ وهل حقًّا سيقف رؤساء وملوك الدول كغيرهم من الناس في المسجد خلف الجنازة؟ وأيضًا سيقفون في المقبرة كغيرهم حول القبر؟ وهل يصدق أن يدفن الملك مع عامة الناس في مقبرة عادية؟ وهل حقًّا سيبقى قبر الملك مساويًا لبقية القبور؟! دون أن يبرز أو يظهر، ودون شموع أو ورود؟! هكذا كانت عشرات الأسئلة بكل اللغات وعلى كل القنوات؛ لتعلن حرص هذه البلاد وقادتها وشعبها على حب دينهم وسنة نبيهم r، وتطبيق شرع ربهم، وأنه لا يبقى في النهاية للإنسان مهما بلغ سوى عمله الصالح، ولذا كان الحديث بإسهاب عن الذكرى الحسنة المتمثلة في تلك الإنجازات المباركة للملك فهد يرحمه الله، والتي كان من أعظمها وأجلها: التوسعة التاريخية للحرمين الشريفين، وتيسير الأمور للحجاج والمعتمرين، ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والسعي لحقن دماء المسلمين في لبنان والكويت وفلسطين، وغير ذلك كثير، إنه العمل الصالح، الجليس والأنيس للإنسان في قبره، فكل شيء ذهب؛ الملك والمال والأصحاب والوزراء، ولم يبق إلا عمله الصالح :  

يا نفسُ مالي وللأموالِ أتركُهـا       خَلْفي وأَخْرج من دنياي عُريانـا

ما بالُنا نتعامى عن مصائرنــا       ننسى بغفلتنا مَنْ ليس  ينسانــا

نزداد حرصًا وهذا الدهر يزجرنا      كـأن زاجرنـا بالحرص أغرانـا

يا راكضًا في ميادين الهوى مرحًا    ورافلاً في ثيـاب الغـيّ نشوانـا

مضى الزّمان وولّى العمر في لعب   يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا

إنه الموت! وكفى بالموت واعظًا! قال إبراهيم التيمي: "مثّلت نفسي في الجنة؛ آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثّلت نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي شيء تريـدين؟ قالت: أريد أن أردّ إلى الدنيا فأعمل صالِحًا. قال: قلت: فأنت في الأمنيَة فاعملي". نعم أيها المؤمنون هيَّا مادامت العين تطرف، والقلب يخفق، لا داعي للأماني وهيا للعمل، سئل أحد السلف: لماذا نكره الموت؟ فقال: "لأنكم عمّرتم دنياكم، وخربتم أخراكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب". فهيا إخوة الإيمان، نراجع أنفسنا، ونصارحها في هذا المكان، هيا لعمران آخرتنا بالعمل الصالح، هيا أخي قلب صفحات حياتك، انظرها، فأنت أعلم بسجلاتك، فهل تعلم لك عملاً صالحاً خالصاً صواباً ترجوه، هيا يا عبد الله قبل أن تندم، صوّر لنفسك الآن لحظات السكرات، لحظات مهولة ذات كرب شديد، وما بعدها إلا وعد أو وعيد؛ ]وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيد () وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ[. هيا لعلك أن تنتصر على نفسك وآمالها، صوّر لنفسك الآن سكرات الموت، التي ما سلم منها خير الأنبياء، وأكرم الخلق r، فقد كان بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ؛ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، ويَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ)). حتى إن ابنته فاطمة -رضي الله عنها- لما رأت ما به من الكرب الشديد الذي يَتَغَشَّاهُ قَالَتْ: وَاكَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: ((لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ)). وكانت عائشة تقول: ((مَا أَغْبِطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِي رَأَيْت مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ r)). كل هذا فقط عند لحظات السكرات، فكيف بالقبر والظلمات، والصراط والحساب، وأهوال وأهوال.. والنهاية جنة أو نار، هيا عبد الله ! ألا تشكر هذه النعم التي أنت فيها؟! صحة وعافية، ومال وكمال، ذهب الملوك وأبناء الملوك، وكل النعيم والترف كأنه لحظة وظل زائل، فهيا أخي! ألا تخاف أن يصيبك مرض أو عاهة؟! فكم عن واجبات الدين تكاسلت! وكم زُجرت عن منهياته فما انزجرت!. كم سمعت دعوة الخير فتصاممت! 

يا نفسُ ويحك قد أتاك هُــداك     أجيبي  فداعي الحق قد ناداكِ

كم قد دُعيت إلى الرشاد فتُعرضي    وأجبت داعي الغَيِّ حين دعاكِ

أخي! قل لنفسك حدثها، وحاسبها: يا نفس إلى متى؟ أما آن لك أن ترعوي؟ أما آن لك أن تُزجري؟ أما تخافين من الموت فهو يأتي بغتة! أما تخشين من المرض فالنفس تذهب فلتة! أخبرني أخي! فأنت أعلم بنفسك؟ لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك، أكان يسُرُّك حالك وما أنت عليه؟! عباد الله! إن العلاج الناجع في مثل هذه المناسبات أن نعتبر، ونربي أنفسنا على عمارة الآخرة، عمارتها بالأعمال الصالحة، وكثرة التوبة والاستغفار، وأن نجاهد أنفسنا بترك المعاصي والسيئات، وإلا فإن الموت حق على الجميع، لكن شتان بين من مات وهو على طاعة ربه، وبين من مات على معصية الله!! شتان بين من مات على خير وحسن ختام، وبين من مات على شر وسوء ختام! بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: "كلُّ هذا خوفًا من الذنوب؟ فأخذ تبنة من الأرض، وقال: الذنوب أهون من هذا، وإنما أبكي من خوف سوء الخاتمة". يقول ابن القيم معقبًا: "وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى. فمن هذا خاف السلف من الذنوب، أن تكون حجابًا بينهم وبين الخاتمة الحسنى. اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، واجعلنا ممن ختمت له بالحسنى، برحمتك يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم .

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله الحي الذي لا يموت، توحَّد بالديمومة والبقاء، وتفرد بالعزة والكبرياء، وأشهد أن لا إله إلا الله، نحمده سبحانه ونشكره، ونتوب إليه ونستغفره، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله المصطفى، صلَّى الله وسلَّم عليه، وعلى آله وصحبه وخير من اقتفى. وبعد:

فلا صلاح للبشر إلا بوجود قيادة .   (للشاعر الجاهلي الأفوه الأودي):

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم     ولا سـراة إذا جهالهـم سـادوا

والبيـت لا يبتنـى إلا على عمد     ولا عمـاد إذا لم تـرس أوتـادُ

فـإن تجمـع أوتـاد وأعمـدة       وسـاكن أبلغوا الأمر الذي كادوا

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"يَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ وِلَايَةَ أَمْرِ النَّاسِ مِنْ أَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الدِّينِ; بَلْ لَا قِيَامَ لِلدِّينِ وَلَا لِلدُّنْيَا إلَّا بِهَا . فَإِنَّ بَنِي آدَمَ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُمْ إلَّا بِالِاجْتِمَاعِ لِحَاجَةِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مِنْ رَأْسٍ حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ r:{إذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ}رَوَاهُ أَبُو داود مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ:{لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ} فَأَوْجَبَ r تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِقُوَّةِ وَإِمَارَةٍ . وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا أَوْجَبَهُ مِنْ الْجِهَادِ وَالْعَدْلِ وَإِقَامَةِ الْحَجِّ وَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ. وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقُوَّةِ وَالْإِمَارَةِ; وَلِهَذَا رُوِيَ:{أَنَّ السُّلْطَانَ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ}. وَيُقَالُ:{سِتُّونَ سَنَةً مِنْ إمَامٍ جَائِرٍ أَصْلَحُ مِنْ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا سُلْطَانٍ}. والواقع في العراق يُبَيِّنُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ - كالفضيل بْنِ عِيَاضٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا - يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِلسُّلْطَانِ.وَقَالَ النَّبِيُّr:{إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تَنَاصَحُوا مِنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ}. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ:{ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ}. رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ. فَالْوَاجِبُ اتِّخَاذُ الْأَمَارَةِ دِينًا وَقُرْبَةً يَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ; فَإِنَّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ فِيهَا بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ...". ويقول شيخنا ابن باز رحمه الله، (مجموع فتاوى ومقالات،الجزء التاسع لابن باز ):"ولا ريب أن الله جل وعلا أمر بطاعة ولاة الأمر، والتعاون معهم على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، فقال: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا( هذا هو الطريق؛ طريق السعادة، وطريق الهداية، وهو طاعة الله ورسوله في كل شيء، وطاعة ولاة الأمور في المعروف من طاعة الله ورسوله،..فالواجب على جميع المكلفين التعاون مع ولاة الأمور في الخير، والطاعة في المعروف، وحفظ الألسنة عن أسباب الفساد، والشر، والفرقة، والانحلال، ولهذا يقول الله جل وعلا:]فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ( أي: ردوا الحكم في ذلك إلى كتاب الله، وإلى سنة رسولهr في اتباع الحق، والتلاقي على الخير، والتحذير من الشر، هذا هو طريق أهل الهدى، وهذا هو طريق المؤمنين ا. هـ. وسئل رحمه الله: هل يجب على كل مسلم أن يبايع شخصًا بيده كما فعل الصحابة مع الرسول r والخلفاء الراشدين؟ فأجاب: بأن البيعة لا تكون إلا لولي أمر المسلمين، يبايعه أهل الحل والعقد، وهم العلماء والفضلاء ووجوه الناس، فإذا بايعوه ثبتت ولايته، ولا يجب على عامة الناس أن يبايعوه بأنفسهم، وإنما الواجب عليهم أن يلتزموا طاعته في غير معصية الله تعالى. وقَالَ النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: أَمَّا الْبَيْعَة: فَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لا يُشْتَرَط لِصِحَّتِهَا مُبَايَعَة كُلّ النَّاس, وَلا كُلّ أَهْل الْحَلّ وَالْعِقْد, وَإِنَّمَا يُشْتَرَط مُبَايَعَة مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعهمْ مِنْ الْعُلَمَاء وَالرُّؤَسَاء وَوُجُوه النَّاس.., وَلا يَجِب عَلَى كُلّ وَاحِد أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الأَمَام فَيَضَع يَده فِي يَده وَيُبَايِعهُ, وَإِنَّمَا يَلْزَمهُ الانْقِيَادُ لَهُ, وَأَلا يُظْهِر خِلافًا, وَلا يَشُقّ الْعَصَا اهـ ومن نعم الله على هذه البلاد سلاسة وبساطة انتقال الحكم وهذا من توفيق الله وحفظه، فهل يتذكر الناس هذا الفضل من الله ويشكرونه عليه؟ وهم يعيشون ويشاهدون في زمن الفتن النزاعات والاضطرابات من حولهم في كل مكان، فالفتنة عمياء ومظلمة تأتي على الأخضر واليابس، لكن فضل الله كبير، نسأل الله أن يرزقنا شكر نعمه، وأن يجمع صف ولاة أمرنا وعلمائنا على كتاب الله وسنة رسولهr، وأن يجعلهم إخوة متحابين متآلفين، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، كما نسأل الله أن يسدد ويعين ولي أمرنا الملك عبد الله، وولي عهده على هذه الأمانة العظيمة، وأن يوفقهما لما يحب ويرضى، وأن يُعز الله بهما الإسلام وأن ينصر بهما الحق والمعروف في كل مكان، اللهم إنا نسألك في هذه اللحظات بقلوب خاشعة ونفوس موقنة مطمئنة أن ترزقهما البطانة الصالحة الناصحة، اللهم ارزقهما البطانة الصالحة الناصحة، اللهم ارزقهما البطانة الصالحة الناصحة،  اللهم إن نسألك أن تجعل هذا العهد عهد خير وبركة وعزة ورفعة لكتاب الله وسنة رسوله ولعبادك الصالحين، إنك على كل شيء قدير، واغفر اللهم لنا ولجميع أموات المسلمين، اللهم اعف واغفر للملك فهد، واجزه خير ما تجزي به وليًّا عن رعيته، ونسألك اللهم أن تجعل ما أصابه من مرض كفارة لـه، اللهم ارحمه وجميع موتى المسلمين، وأسكنهم فسيح جنتك، واكتبهم عندك في المحسنين، واجعل كتابهم في عليين، واخلفهم في أهليهم، اللهم اشكر حسناتهم، واغفر سيئاتهم، وأعذهم من عذاب القبر، واجمع لهم برحمتك الأمن من عذابك، واكفهم كل هول دون الجنة، اللهم ارفعهم في عليين، وعد عليهم بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم. واغفر لنا ولهم، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم أحينا على طاعتك ومرضاتك، واقبض أرواحنا على التوحيد، وهوّن علينا سكرات الموت وزفراته. اللهم اجعل الحياة لنا زيادة في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، اللهم انصر المسلمين المستضعفين، وكن عونًا لهم يا رب العالمين، اللهم انصر جندك وكتابك وسنة نبيك، وأعل كلمة الحق، وألف بين قلوبنا، واجمع كلمتنا على التوحيد يا رب العالمين. اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين، وارفع عنهم البلاء برحمتك يا أرحم الراحمين، ووصل اللهم وبارك وسلم على النبي الأمين، وخلفائه الراشدين، وآله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
نحبـــك بالله
20/3/1431
رحم الله الملك فهد ووالدتي مطيرة وكل من هم تحت الثرى يحيون في البرزخ وأرحم حالنا و ذرارينا إذا صرنا الى ما صاروا إليه اللهم آمين اللهم آمين
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :