خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
11492508
زوار الشهر :
167332
زوار اليوم :
4174



الأمن أثره وحقيقته 22-2-1437هـ


الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليهِ، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.


أمّا بعد: فأوصيكم - أيّها الناس - ونفسي بتقوى الله عزّ وجل، فاتّقوا الله -رحمكم الله - ما استطعتم، فمن ابتغى غنًى مِن غير مال وعزًّا بغير جاه ومهابةً من غير سلطان فليتّقِ الله؛ فربُّكم - سبحانه - معزُّ من أطاعه واتّقاه، ومذلُّ من خالف أمرَه وعصاه، سبحانه وبحمده، لا يذلُّ من والاه، ولا يعزُّ من عاداه، لا إلهَ غيره، ولا ربّ سواه.


أيّها المسلمون! الأمنُ مطلبٌ عزيزٌ، وكنـزٌ ثمينٌ، هو قِوام الحياة ، وأساس الحضارة ، تتطلّع إليه المجتمعات، وتتسابق لتحقيقِه السّلطات، وتتنافس في تأمينه الحكومات .


فالقاعدة المقررة تقول: إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولأجل أن نعرف حقيقة الأمن وصورته فلابد أن تكون هذه المعرفة متصفة بالشمولية، وأن لا تكون ضيقة مستهجنة ، من خلال قصر بعض الأفهام حقيقة الأمن على ناحية حماية المجتمع من الجرائم فحسب، وأن يُقصر مفهوم حمايته على الشرط والدوريات الأمنية في المجتمعات بعامة. كلا، فالحديث عن الأمن ليس مقصورًا على هذا التصور البسيط، إن أردنا حقا أن نعيش بأمن وأمان ، فعلينا أن نفهم حقيقة الأمن كما ينبغي ، إذ الحقيقة أشد من ذلك والخطب أعظم. بل إن المواطن نفسه – رجلاً كان أو امرأة – ينبغي أن يكون رجل أمن، ورجل الأمن ما هو إلا مواطن صِرْف منا وبنا. فإذا استحضرنا هذا التصور بما فيه من الكفاية، وجب علينا بعد ذلك أن نعلم شمولية الأمن، وأنه ينطلق بادي الأمر في عقيدة المجتمع، وارتباطه الوثيق بربه، والبعد عن كل ما من شأنه أن يوقع أفراده في الخوف بدل الأمن، والزعزعة بدل الاستقرار.


 فأول الواجبات الأمنية: البعد عن الشرك بالله في ربوبيته، أو ألوهيته، أو حكمه، أو الكفر بدينه، أو تنحية شرعه عن واقع الحياة، أو مزاحمة شرع غير شرعه معه بالغة ما بلغت المبررات المغلوطة. )ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلاْمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ(. الأمن بهذه الصورة هو المطلب الأول، وهو الذي تتحقق به الصلة بالله جل وعلا، والتي بسببها يعم الأمن أرجاء المجتمعات، وتتحقق وعد الله لها بقوله: )وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً(، فكان الجواب التالي لذلك)يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً( . والشرك هنا غير مقصور على مجرد عبادة الأصنام، كما يتصوره البعض، فيخرجون معنى هذه الآية عن صور شتى في هذه الأزمنة. فكلمة )شَيْئًا( نكرة في سياق النهي؛ فتعم جميع صور الشرك مهما قلّت، ألا تسمعون قول الله تعالى: )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(. فقد ذكر الإمام أحمد -رحمه الله -: أن الفتنة هنا هي الشرك. ثم إن مما ينبغي علينا اتجاه مفهوم الأمن ألا ننحيه عن مراكز القوى في مجتمعاتنا، أو نتجاهل أثر هذه المراكز في تحقيق معنى الأمن بصورته الأساس. فهناك ما يسمى بالأمن الغذائي، وما يسمى بالأمن الصحي الوقائي، وهناك ما يتعلق بالضوابط الأمنية في مجال التكافل الاجتماعي، وتهيئة فرص العمل والإنتاج، والقضاء على البطالة المثمرة الخلل والفوضى، إضافة إلى النواحي الأمنية المنبثقة من دراسة الظواهر الأسرية وما يعتريها من ثقوب واهتزاز في بُنيتها التحتية، لأن الأمن بين الجنسين وبالأخص بين الزوجين هو سبب ولاشك من أسباب أمن العشيرة، وأمن العشيرة أمن للأمة، المؤلفة من العشائر، المؤلفة من الأزواج. فهذا الأمن المترابط هو الذي يتكون منه أمن الأمة والمجتمع بأسره، كما يجب علينا أن لا نغفل عما لا يقل أهمية عن ما مضى، بل إنه في هذه العصور يعد هاجسًا أمنيًّا لكل مجتمع، ألا وهو الأمن الفكري، فالأمن الفكري هو الذي يحمي عقول المجتمعات ويحفظها من الوقوع في الفوضى، والعَبِّ من الشهوات بينهم، أو الولوغ في أتون الانسلاخ الأخلاقي الممزق للحياء الفطري والشرعي. الأمن الفكري – عباد الله – ينبغي أن يتوج بحفظ عنصرين عظيمين؛ ألا وهما: عنصر الفكر التعليمي، وعنصر الأمن الإعلامي، إذ يجب على الأمة من خلال هذين العنصرين ألا تقع في مزالق الانحدار والتغريب، والتي هي بدورها تطمس هوية المسلم، وتفقده توازنه الأمني والاعتزاز بتمسكه بدينه؛ إذ إن الأمن على العقول، لا يقل أهمية عن أمن الأرواح والأموال، فكما أن للبيوت وللأموال لصوصًا ومختلسين، فإن للعقول لصوصاً ومختلسين. بل إن لصوص العقول أشد خطرًا، وأنكى جرحًا من سائر اللصوص. فحماية التعليم بين المسلمين من أن يتسلل لِواذًا عن هويته، وحماية التعليم في إيجاد الآلية الفعالة في توفير سبل العلم النافع؛ الداعي إلى العمل الصالح، والبعد عن التبعية المقيتة، أو التقليل من شأن العلوم النافعة، والتي لها مساس أساس في حياة الأمم، من الحيثية الشرعية الدينية، التي يَعرف بها المرء ربه، وواجبه المفروض عليه، أو التهوين من شأن علوم الدين أو استثقالها على النفوس، فمن شأن ذلك كله أن تضعف المجتمعات بسببه، وأن تندرس معالم الأمن الفكري فيه إبّان عصر التحكم المعرفي، والاتصالات العلمية والثقافية التي غلبت على أدوار الأسر والبيئات، التي تنشد الصلاح العام، وبالإيمان يكون الأمان كما هو صريح القرآن.


عباد الله: أما الفكر الإعلامي فهو مقبض رحى المجتمعات المعاصرة، به يبصر الناس وبه يغربون، به تخدم قضايا المسلمين وتُنصر، وبه تطمس حقائقها وتُهدر. وبالفكر الإعلامي تعرف المجتمعات الجادة من المجتمعات المستهترة، المجتمعات المثلى من المجتمعات الناكبة. فما يكون في الفكر الإعلامي من اعتدال وكمال، يكون كمالاً في بنية الأمن الإعلامي واعتدالاً، وقرة عين لمجموع الأمة بأكملها، وما يطرأ عليه من فساد واعتلال فإنه يكون مرضًا للأمة، يوردها موارد الهلكة والتيه. وحاصل الأمر - عباد الله - أنه ينبغي علينا جميعًا، أن ننظر إلى الحقيقة الأمنية من أوسع أبوابها، وأقرب الطرق الموصلة إليها،

فأن من أهم الوسائل الموصلة إلى الراحة الأمنية المجتمعية من كافة جوانبها، دون كلفة أو تجنيد وإعداد؛ هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ فإن ذلك عماد الدين الذي فضلت به أمة الإسلام على سائر الأمم، والذي يسد من خلاله خوخات كثيرة من مداخل الشر على العباد. بالنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتكاتف الجهود، ويلم الشعث، ويرأب الصدع،  وتتقى أسباب الهلاك، وتدفع البلايا عن البشر. وبفقد ذلك أو تزعزعه من نفوس الناس، يعني بداهة حلول الفوضى، وانتشار اللامبالاة المولدة للأمن العكسي، وهو الأمن من مكر الله، )أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ( . بالأمر والنهي – عباد الله – يصلح المجتمع، ويقوم الفرض الكفائي الذي يسقط التبعة والإثم عن بقية المجتمع، وإلا يتحقق فينا قول الباري جل شأنه: )وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(. ولم يقل وأهلها صالحون؛ لأن مجرد الصلاح ليس كفيلاً بالنجاة من العقوبة الإلهية الرادعة. )فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوء(. هذه هي قاعدة القرآن ، إذاً ينبغي لأفراد الناس عمومًا، وأهل الحسبة بخاصة؛ أن يقوموا بواجب النصح  لمجتمعاتهم وأسرهم ومنتدياتهم، ليحفظ الله جل جلاله ذلك المجتمع المتحاب المتناصح بحفظه ، وهكذا ينتشر الخير عباد الله في المجتمعات ، متى فهمنا المقصود لحقيقة الأمن ، ألا ترون كيف كنا نعيش في مجتمع آمن ، ثم بدأت تظهر علينا خلل هذا الأمن ، من كان يصدق أن يقف رجال الأمن وسيارات الأمن حول مساجد الجمعة لتحمي المصلين ، نعم رجال بذلوا أنفسهم ، وقفوا ، تركوا صلاتهم ، من أجل حمايتكم من فكر ربما منبعث ضال ، هكذا إخوة الإيمان يتهاون الأمن متى تركنا واجباتنا تجاه الأمن حقيقة لا صورة ، الأمن الذي هو أمانة علينا جميعا، الأمن الذي هو حياتنا ، الأمن الذي هو مجتمعنا ووطننا ، نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا أمننا وإيماننا ، اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا ، اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا ، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :