خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
7651627
زوار الشهر :
208350
زوار اليوم :
6213


السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(45)

غزوة بدر(2)  25-6-1438هـ



الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله! أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربِّه، واتَّبع هدي نبيِّه، فسلامة المنهج في اتِّباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا المعاصر لتتبع سيرة النَّبيِّ، والوقوف على دروسها وعبرها، وهذه هي الخطبة الخامسة والأربعون من سلسلة خطب السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة، وكنا قد توقفنا عند الحديث عن غزوة بدر والتي غيرت مجرى التاريخ بقدرة الله وإرادته، حيث غيَّر الله بحكمته البالغة الهدف من اعتراض العير واغتنامها؛ إلى هدف أسمى، وهو إحقاق الحق، وإبطال الباطل، عبر مواجهة جيش يضاعف جيش المسلمين في العدد ثلاث مرات، وفي العدَّة عشرات الأضعاف،كما قال سبحانه:{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ(7)لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}[الأنفال: 7، 8]، وهكذا المؤمن يجمع بين الأخذ بالأسباب الدينية والدنيوية، فبذل الصحابة أرواحهم رخيصة في سبيل الله، وضربوا أروع الأمثلة، وأظهروا شجاعات وتضحيات لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، وحصدت الغزوة رؤوس قريش، وشفى الله بها صدور المؤمنين، وقد كان أول وقود المعركة هو الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِي،كَانَ رَجُلًا شَرِسًا سَيِّئَ الْخُلُقِ، وبسبب حقده الدفين وبغضه للمسلمين عاهد الله قائلًا: "أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَشْرَبَنَّ مِنْ حَوْضِهِمْ، أَوْ لَأَهْدِمَنَّهُ، أَوْ لَأَمُوتَنَّ دُونَهُوبالفعل مات دونه؛ فقد خرج له أسد الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه  فضربه بسيفه، فبتر قدمه بِنِصْفِ سَاقِهِ عن جسده، فوقع على الأرض وصار يحبو ليصل إلى الحوض، فأتبعه حمزة  رضي الله عنه  فقتله قبل أن يبلغها انظر:سيرة ابن هشام(1/624- 625). ثُمَّ خَرَجَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، بَيْنَ أَخِيهِ شَيْبة بْنِ رَبِيعَةَ وَابْنِهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتبة، "فَنَادَى مَنْ يُبَارِز؟ فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَارِ" فَقَالَ (عتبةُ): مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمْ إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:"قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ" أبو داود (2665)،وصححه الألباني. فقتلوا ثلاثَتَهم، وكان في هذين الموقفين بداية موفقة للمسلمين، وخذلان للمشركين، الذين قتل منهم خيرة فرسانهم دفعة واحدة. واستمرت البطولات؛ فعَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: عَبّأَنَا رَسُولُ اللهِ بِلَيْلٍ فَصَفّنَا، فَأَصْبَحْنَا وَنَحْنُ عَلَى صُفُوفِنَا، فَإِذَا بِغُلَامَيْنِ لَيْسَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ إلّا وَقَدْ رُبِطَتْ حَمَائِلُ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ، فَالْتَفَتَ إلَيّ أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمّ، أَيّهُمْ أَبُو جَهْلٍ؟ قَالَ، قُلْت: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ، فَحَلَفْتُ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَأَقْتُلَنَّهُ أَوْ لَأَمُوتَنَّ دُونَهُ. فَأَشَرْت لَهُ إلَيْهِ، وَالْتَفَتَ إلَيَّ الْآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَشَرْتُ لَهُ إلَيْهِ فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتُمَا؟ قَالَا: ابْنَا الْحَارِثِ. قَالَ: فَجَعَلَا لَا يَطْرِفَانِ عَنْ أَبِي جَهْلٍ حَتّى إذَا كَانَ الْقِتَالُ خَلَصَا إلَيْهِ فَقَتَلَاهُ".مغازي الواقدي(1/88). ثم كان هلاكُ رأس الكفر أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ على يد بلال رضي الله عنه  وقد مكنه الله منه فأرداه قتيلًا، وقد كان يؤذي بلالًا رضي الله عنه  في مكة؛ فشفى الله بذلك صدر بلال.انظر: سيرة ابن هشام(1/632). وجاء التأييد من السماء، وأجرى الله لنبيه وأصحابه الكرامات في تلك الغزوة المباركة، فأمدَّهم  عز وجل  بملائكته، كما قال  سبحانه وتعالى :{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ*بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}[آل عمران:124-126]. وإنما كان إمدادهم بتلك الملائكة؛ تثبيتًا لقلوبهم، وبشارةً لهم،كما أخبر الله: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}[آل عمران:126]. عن ابْنِ عَبَّاسٍ م، قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ، فَقَالَ: ((صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ))صحيح مسلم (1763).وعَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمَازِنِيِّ رضي الله عنه ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ: "إنِّي لَأَتَّبِعُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأَضْرِبَهُ، إذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي"سيرة ابن هشام (1/633).وقال النبي لعَلِيِّ بنِ أبي طالب وَأَبِي بَكْرٍ:"مَعَ أَحَدِكُمَا جِبْرِيلُ، وَمَعَ الْآخَرِ مِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ مَلَكٌ عَظِيمٌ يَشْهَدُ الْقِتَالَ - أَوْ قَالَ: يَشْهَدُ الصَّفَّ"أحمد (1257)، وصححه الألباني في الصحيحة(3241).إنه مدد السماء لمن تعلق قلبه حقًا بالسماء، وبدر تقول: إن العبدَ إذا التزم بما أُمِرَ به من الإيمان والطاعة، وفعل ما يستطيعه من الأسباب ألان الله له الحديد. وبعد ثلاثة أيام من انتهاء القتال، تقول عائشة رضي الله عنه : "أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِr بِالْقَتْلَى أَنْ يُطْرَحُوا فِي الْقَلِيبِ، فَطُرِحُوا فِيهِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَإِنَّهُ انْتَفَخَ فِي دِرْعِهِ فَمَلَأَهَا،فَذَهَبُوا لِيُحَرِّكُوهُ، فَتَزَايَلَ(أي: تفرق لحمه)، فَأَقَرُّوهُ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مَا غَيَّبَهُ مِنَ التُّرَابِ وَالْحِجَارَةِ"أحمد(26361)حسن إسناده الأرنوؤط، ودفن قتلى بدر في القليب موقف إنساني كريم كما قال الله:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء:107]؛ فأولئك الذين آذوه وأذاقوه وأصحابه صنوفًا من العذاب، وأخرجوهم من ديارهم وأهليهم وأموالهم،إلا أن إنسانيته ورحمتهr تعلو فوق الانتقام؛ وبعد الانتهاء من إلقاء قتلى بدر في القليب وقف النبيr يحدثهم ويتكلم معهم، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ:"يَا فُلاَنُ بْنَ فُلاَنٍ، وَيَا فُلاَنُ بْنَ فُلاَنٍ، أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟"فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه :يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لاَ أَرْوَاحَ لَهَا؟ فَقَالَ r:"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ"البخاري (3976)، ومسلم (2875)، قال حسان بن ثابت مصورًا هذا الموقف:


يُنَادِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ لَمَّا * * * قَذَفْنَاهُمْ كَبَاكِبَ فِي الْقَلِيبِ

أَلَمْ تَجِدُوا كَلَامِي كَانَ حَقًّا * * * وَأَمْرُ اللَّهِ يَأْخُذُ بِالْقُلُوبِ؟

فَمَا نَطَقُوا، وَلَوْ نَطَقُوا لَقَالُوا * * * صَدَقْتَ وَكُنْتَ ذَا رَأْيٍ مُصِيبِ!


وقد بشَّر النبي أصحابه الشهداء بالفوز والجنان، فهذا حارثة بن سراقة جاءت أمُهُ رسولَ الله فقالت:"يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلاَ تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ، قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ(أي: لايدرى من رمى به)، فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي البُكَاءِ، قَالَ:"يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى"البخاري (2809).ويكفي أهل بدرٍ شرفًا وفخارًا، وأجرًا وثوابًا قول رسول الله:"لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"البخاري(3007)، ومسلم(2494).وهكذا بنهاية المعركة قد عرف كل فريق موضعه ومآله { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } [الشورى:7]؛ إنه يوم الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فكان النصر من عند الله لعباده المؤمنين؛ بعد أن كانوا مستضعفين { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[آل عمران:123]، لقد لقي سبعون من صناديد مكة مصرعهم في بدر، وعلى رأسهم أبو جهل، وأمية بن خلف،وغيرهم من زعماء قريش؛ وفرَّ من فرَّ منهم إلى مكة، تاركين وراءهم الأموال وكثيرًا من الإبل، والخيل التي كانت في صحبتهم؛ ومن بقي كان أسيرًا بين يدي المسلمين.فما كان منهم في هذا اليوم إلا هاربًا، أو قتيلًا، أو أسيرًا؛ ولما أقبل رسول اللهr قافلًا إلى المدينة،ومعه الأسرى من المشركين، أراد أن يقرر فيهم أمرًا، فاستشار أبا بكر وعمر م، فقال:"مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللهِ، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ، فَقَالَ:"مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟" فقال:لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ نَسِيبًا لِعُمَرَ، فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا"مسلم (1763).فاختار النبي ما قاله أبو بكر رضي الله عنهم جميعًا، إنه يشاور أصحابه،ويطلب منهم الرأي،ففي الشورى وتفعيلها خير للجماعة،وفيها نفع البلاد والعباد


فرَأيُ الجَماعَةِ لا تَشقى البِلادُ بِهِ* رَغمَ الخِلافِ وَرَأيُ الفَردِ يُشقيها

"وَأَنْزَلَ اللهُ:"مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ"[الأنفال: 67] إِلَى قَوْلِهِ:"فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا"الأنفال: 69]، فَأَحَلَّ اللهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ" مسلم (1763).وكانت معاملة النبي للأسارى تتسم بالرحمة والرفق، حتى أنه أوصى بهم خيرًا، فعن أبي عزيز بن عمير ابن أخي مصعب بن عمير قال: "كُنْتُ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِr:"اسْتَوْصُوا بِالْأَسَارَى خَيْرًا" وَكُنْتُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ أَكَلُوا التَّمْرَ وَأَطْعَمُونِي الْخُبْزَ بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِr إِيَّاهُمْ.الطبراني في الكبير(977)، قال الهيثمي في المجمع: 6/86: إسناده حسن. وقال في أسارى بدر: ((لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ))أبو داود (2689)، وصححه الألباني. فكان وفيًّا لا ينسى لأهل الفضل فضلهم.ثم كان من آثار غزوة بدر تنازع الصحابة الكرام في الغنائم،فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ  رضي الله عنه  قَالَ:((خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْرًا، فَالْتَقَى النَّاسُ فَهَزَمَ اللهُ الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَتْ طَائِفَةٌ فِي آثَارِهِمْ يَهْزِمُونَ وَيَقْتُلُونَ، وَأَكَبَّتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَسْكَرِ يَحْوُونَهُ وَيَجْمَعُونَهُ، وَأَحْدَقَتْ طَائِفَةٌ بِرَسُولِ اللهِ لَا يُصِيبُ الْعَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ، وَفَاءَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْغَنَائِمَ: نَحْنُ حَوَيْنَاهَا وَجَمَعْنَاهَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا نَصِيبٌ.وَقَالَ الَّذِينَ خَرَجُوا فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ: لَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِهَا مِنَّا نَحْنُ نَفَيْنَا عَنْهَا الْعَدُوَّ وَهَزَمْنَاهُمْ. وَقَالَ الَّذِينَ أَحْدَقُوا بِرَسُولِ اللهِ:لَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِهَا مِنَّا نَحْنُ أَحْدَقْنَا بِرَسُولِ اللهِ، وَخِفْنَا أَنْ يُصِيبَ الْعَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً وَاشْتَغَلْنَا بِهِ، فَنَزَلَتْ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}[الأنفال:1]، فَقَسَمَهَاr عَلَى فَوَاقٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ"أحمد (22762)قال الهيثمي: رجاله ثقات. أَيْ قَسمَها فِي قَدْر فُوَاق نَاقَةٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الحَلْبَتْين مِنْ الرَّاحة،.ولا عجب فحب المال أمر فطري،كما قال سبحانه وتعالى :{وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}[الفجر:20]. فجاءت آيات سورة الأنفال تضبط هذا الحب، وتعلق النفس بغير الله؛ فهو سبحانه المتفضل علينا بالنعم، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال:"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلَاثِ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:"اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ". فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَانْقَلَبُوا حِينَ انْقَلَبُوا، وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أَوْ جَمَلَيْنِ وَاكْتَسَوْا وَشَبِعُوا".أبو داود(2747)،حسنه الألباني. فهذا من فضل الله على عباده في بدر،بل كان من فضل الله على المؤمنين أن أحل لهم هذه الغنائم،وقد كانت محرمة على الأمم السابقة؛قال رسول الله:"أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي،-وذكر منها-:وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ"البخاري(ح:438)، ومسلم(ح: 521)]. وهكذا تحولت غزوة بدر من محنة إلى منحة؛ لتؤكد أن النصر بيد الله، { وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ }[آل عمران:13]. لا شك أن القوة والعتاد أسباب، ولكن النصر من عند رب هذه الأسباب { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  }[الأنفال:17]. فاللهم املأ قلوبنا باليقين، وثبتنا على التوحيد والدين، وأعز الإسلام والمسلمين،أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.





طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :