خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
7092216
زوار الشهر :
253918
زوار اليوم :
644


السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(46)

سرايا مابعد غزوة بدر ، وغزوة بني قينقاع  10-7-1438هـ

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أفضل صلاة وأزكى تسليم. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه ، خاصة في مثل هذا الواقع المعاصر، خاصة مع مثل هذه الفتن والأحداث، المسلم العاقل يتحرَّى سلامة المنهج والذي لن يكون إلا باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا والله في واقعنا لتتبع سيرة نبينا محمد، والوقوف على دروسها وعبرها، وهذه هي الخطبة السادسة والأربعون من سلسلة خطب السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة، وكنا قد تناولنا في الخطبتين الماضيتين غزوة بدر التي غيرت مجرى التاريخ، وفتحت صفحة جديدة لحياة المسلمين، ومكَّن الله بها لأهل التوحيد، وأنعم عليهم بالنصر والثبات، بعد أن سقطت أنفة قريش وكبرياؤها، وحاق بها الخسران والنكال، وقد جرت عدد من الأحداث بعد غزوة بدر الكبرى من سرايا للنبي وأصحابه، لقبائل وجهات كانت تُناوشهم، فبعد غزوة بدر لم يقم بالمدينة إلا سبع ليال، حتى غزا بنفسه بني سُلَيْمٍ عند ماء من مياههم يُقال له الكُدْر، ثم كانت غزوة السويق والتي حاول فيها أبو سفيان القيام بعمل انتقامي بعد بدر لكن عمله أشبه بفعل قطاع الطريق المجرمين لا الجنود المحاربين، ثم غزوة ذي أمر عندما بلَغَ رَسُولَ اللهِ أَنّ جَمْعًا مِنْ ثَعْلَبَة وَمُحَارِبٍ بِذِي أَمَرّ، قَدْ تَجَمّعُوا يُرِيدُونَ أَنْ يُصِيبُوا مِنْ أَطْرَافِ رَسُولِ اللهِ ، جمعهم رجل منهم يقال له دعثور بن الْحَارِثِ بْنِ مُحَارِبٍ، وهو صاحب القصة المشهورة عندما نَزَلَ رَسُولُ اللهِﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، وقد تَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ فَقَالَﷺ: "إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ قُلْتُ: اللهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ قُلْتُ: اللهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ(أي: غمده)فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ))ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ"صحيح مسلم(843)، كل ذلك كرامة من الله سبحانه وتعالى لنبيه وتأييد له، وأيضًا كانت غزوة بُحْران، عندما لقي جمعًا من بني سُلَيْم كثيرًا ببُحْرانَ، وأيضًا كانت سرية زيد بن حارثة إلى القَرَدة (وهي: ماء بنجد أو بين المدينة والشام مما يلي نجدًا)وهي أول سرية خرج زيد بن حارثة فيها أميرًا، يريد صفوان بن أمية، وقد نكب عن الطريق، وسلك على جهة العراق يريد الشام بتجارة فيها أموال لقريش قُدِّرت بمائة ألف درهم، فغنمها زيد وأصحابه، ثم كانت غزوة بني قينقاع، تلك الغزوة التي جاهر فيها يهود بني قينقاع بحقدهم وحسدهم على رسول الله ﷺ، فقد ساءهم النصر الذي حازه المسلمون على قريش، فسولت لهم أنفسهم معاداة النبي ﷺ، قال ابن الأثير: "لما عاد رسول اللَّه من بدر، أظهرت يهود له الحسد بما فُتح عليه، وبغوا ونقضوا العهد، وكان قد وادعهم حين قدم المدينة مهاجرًا" إمتاع الأسماع(8/346)، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِﷺ جَمَعَهُمْ بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعٍ،ثَّم قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ يَهُودَ: احْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ مَا نَزَلَ بِقُرَيْشٍ مِنَ النِّقْمَةِ وَأَسْلِمُوا، فَإِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ أَنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ، وَعَهِدَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ))، قَالُوا: يَا مُحَمَّد: إِنَّكَ تَرَى أَنَّا قَوْمُكَ، وَلا يَغُرَّنَّكَ أَنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا لا عِلْمَ لَهُمْ بِالْحَرْبِ فَأَصَبْتَ مِنْهُمْ فرصَةً، إنَّا وَاَللَّهِ لَئِنْ حَارَبْنَاكَ لَتَعْلَمَنَّ أَنَّا نَحْنُ النَّاسَ"سيرة ابن هشام (2/ 47)، فأغلظوا لهﷺ في الرد؟ وتجرؤوا عليهﷺ في القول؟ وكما قال الحق سبحانه وتعالى:{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}[آل عمران:118]، فحذرهم النبي وأنذرهم وبشرهم بالخسران في الدنيا والعذاب في الآخرة، فقال سبحانه وتعالى:{قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ*قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ}[آل عمران:112- 113]، وبينما هم على مجاهرتهم، قَدِمَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ بِجَلَبٍ لَهَا (الجلب: ما جلب من خيل وإبل ومتاع)، فَبَاعَتْهُ بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَجَلَسَتْ إلَى صَائِغٍ بِه، فَجَعَلُوا يُرِيدُونَهَا عَلَى كَشْفِ وَجْهِهَا، فَأَبَتْ، فَعَمِدَ الصَّائِغُ إلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا فَعَقَدَهُ إلَى ظَهْرِهَا، فَلَمَّا قَامَتْ انْكَشَفَتْ سَوْأَتُهَا، فَضَحِكُوا بِهَا، فَصَاحَتْ. فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّائِغِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ يَهُودِيًّا، وَشَدَّتْ الْيَهُودُ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ، فَاسْتَصْرَخَ أَهْلُ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْيَهُودِ، فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي قَيْنُقَاعَ.انظر سيرة ابن هشام(2/48)، وبهذا نقض اليهود عهدهم فأنزل الله سبحانه وتعالى في حقِّهم: {وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ}[آل عمران:112، 113]، فكان ذلك بمثابة الشرارة التي أشعلت نار الحرب بين المسلمين واليهود، فآذنهم النبيﷺ بالحرب وأعلمهم، وفرض عليهم أشد الحصار، حتى نزلوا على حكمه وأمره، واستمر الحصار حتى قذف الله في قلوبهم الرعب واضطروا للنزول على حكمه، خافوا وجبنوا فقد تمكن الرعب والخوف من قلوبهم، وتلك من معجزاته ﷺ، كما قَالﷺ: ((أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْر))البخاري (483)، وفيما لم تهدأ الأحداث ولم يتخذ النبي ﷺ القرار بشأنهم جاء زعيم المنافقين وكبيرهم عبد الله بن أبي بن سلول يريد فكاكهم، ونجدتهم مما سيؤول إليه أمرهم، فقد أتى "إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَمْكَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ:"أَرْسِلْنِي"، وغضب حتى رُؤِيَ لِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ظِلَالٌ فَقَالَ لَهُ: "وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي"، فَقَالَ: واللَّه لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي مَوَالِيَّ، أَرْبَعُمِائَةِ حَاسِرٍ وَثَلَاثُمِائَةِ دَارِعٍ مَنْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ؟! إِيْ واللَّهِ إِنِّي لَامْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهﷺ هُمْ لَكَ"دلائل النبوة للبيهقي (3/173)، هم لك على أن يخرجوا من المدينة ولا يجاورونا بها، فأنزل الله عَزَّ وَجَل قوله: {فتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ}[المائدة:52]، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: "حَارَبَتِ النَّضِيرُ، وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلاَدَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّﷺ فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى يَهُودَ المَدِينَةِ كُلَّهُمْ:بَنِي قَيْنُقَاعٍ، وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِ المَدِينَةِ" البخاري  (4028).

حدِّث عَن الْحَرْب الَّتِي أمَّهَا *** خير الورى وَاذْكُر بني قينقاعْ

لما بغوا أجلاهم الْمُصْطَفى *** وَمِنْهُم أخلى الربى وَالْبِقَاعْ

وتعقب المسلمون كل غادر بعهده، محارب لله ورسوله، فكان من أولئك الذين نُفذ فيهم العقاب العادل، أحد قادة اليهود"كعب بن الأشرف" والذي سافر من المدينة إلى مكة ليواسي المشركين، ويحرضهم على الثأر من محمدﷺ وصحابته، وهو الذي سأله أَبُو سُفْيَانَ: أُنَاشِدُكَ، أَدِينُنَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَمْ دِينُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ؟ وَأَيُّنَا أَهْدَى فِي رَأْيَكَ وَأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ؛ فَإِنَّا نُطْعِمُ الْجَزُورَ الْكَوْمَاءَ، وَنَسْقِي الْلَبَنَ وَنُطْعِمُ مَا هَبَّتِ الشِّمَالُ. قَالَ كعبٌ: أَنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُمْ سبيلًا، فأنزلَ اللهُ عَزَّ وَجَل  على رسولهﷺ:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا}[النساء:51][انظر تاريخ المدينة لابن شبة 2/454]، لقد عاد كعب إلى المدينة سافر العداوة، بعيد الجراءة، فلما بلغ ذلك رسول اللهﷺ، قال:"مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْآذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ" فقال محمد بن مسلمة: أنا إن تأذن، فأذن لهﷺ، فخرج محمد بن مسلمة، ومعه أربعة نفر، فانتهوا إلى كعب بن الأشرف - بعد خطة محكمة- وهو في أطم من آطام المدينة، فقال له محمد بن مسلمة: إن محمدًا يأخذ صدقة أموالنا -وأراد المال منه- ثم قال له: أتيتك أستسلفك فأرهن السلاح، ثم جاء يغمر رأسه، فلما استمكن منه ضربه وضربوه حتى قتل، واحتزوا رأسه وجاءوا به إلى النبي ﷺ"انظر السيرة النبوية وأخبار الخلفاء لابن حبان(1/214)، فقُتل جبارُ اليهود، فدب الرعب والخوف في قلوبهم، وأسرعت الحيات إلى جحورها للاختباء، ولزم اليهود حدهم، فلم يتجرؤوا على المسلمين، نسأل الله أن يكفينا يهود هذا الزمان ومن ناصرهم، وأن يكفي المسلمين شرهم وتدبيرهم ومكرهم، وأن يحفظ علينا ديننا وأمن بلادنا وولاة أمرنا وعلمائنا وجنودنا إنه على كل شيء قدير، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :