خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
11754906
زوار الشهر :
144744
زوار اليوم :
7149


الوسطية بين الإدعاء والحقيقة

وخطر جماعات الغلو والتشدد

والإلحاد والإنحلال على المجتمع

 17-7-1438هـ

الحمد لله الذي جعل هذه الأمة وسطًا بين الأمم، ورسم لأتباعها طريقًا واضحًا بالسير عليه تعتلي القمم، والصلاة والسلام على سيد الأنام، وعلى أصحابه السادة الكرام، وعلى من تبعهم، وسار على دربهم إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن أجسادنا على النار لا تقوى، فاستمسكوا بالعروة الوثقى، أيها المسلمون، لا تزال سحائب الغم ورياح الهم تعاود الظهور حينًا بعد حين، تُزكم أنوفنا بروائحها الكريهة، تكدر علينا معايشنا، وتفسد علينا أحوالنا، ولا زال أهل الزيغ والضلال يصدون الناس عن سبيل الله، يقعدون لهم في كل ناد، يخدعونهم بشعاراتهم الزائفة، وأبواقهم التالفة، وبضاعتهم المزجاة، عباد الله: لقد رسم لنا المولى سبحانه وتعالى طريق النجاة، وسبيل الخلاص، فقال عَزَّ وَجَل في كتابه العزيز-مرشدًا عباده لسلامة الطريق وصحة المنهج-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[آل عمران:31] فكانت هذه علامة الحب لله ورسوله  صلى الله عليه وسلـم ، وكانت هذه العلامة الفارقة بين الصادقين والمخادعين، بين أهل الاتباع وأهل الابتداع، فمتى وجدت داعيًا على غير هداه  صلى الله عليه وسلـم ، ومرشدًا على غير طريقته، فأعرض عنه، واعلم أنه على غير هدى، معاشر المسلمين: إن من أهم وأعظم ما ينبغي للمسلمين في كل زمان، لا سيما في هذا الزمان، -مع كثرة الفتن وانتشار الجهل، والتدفق المعلوماتي الهائل مع ما فيه من الغث والسمين- الحرص على تأصيل العقيدة الصحيحة في عقول ونفوس الناشئة، تلك العقيدة القائمة على فهم سلفهم الصالح، فهذه هي الضمانة الوحيدة لتصحيح عقائدهم، وتنقيتها من كل دخيل وشائبة، خصوصًا مع امتداد الغزو الفكري الذي يَنْهَشُ في جسد هذه الأمة، وتطاول رأس الغلو والتطرف الذي يطل علينا الفينة بعد الأخرى، فلا سبيل لمحاربة ذلك إلا بفهم حقيقة هذا الدين وما جاء به من الوسطية والاعتدال، ونبذ صور التطرف والغلو، عباد الله: إن دينكم دين الوسطية، ينبذ العنف ويرفض التطرف، ويدعو إلى الوسطية والاعتدال، ولذا فقد امتن الله عَزَّ وَجَل على هذه الأمة بهذه النعمة, فقال جلَّ في علاه:﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا[البقرة:143]. قال ابن جرير رحمه الله: "كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطًا" تفسير الطبري(2/626). فانفردت أمتنا بهذه الخصيصية، وتلك المنقبة التي أمتن الله عَزَّ وَجَل بها علينا، وميزنا بها عن سائر الأمم، فأوسط الشيء: أفضله وخياره، ولله در القائل: 

هُمُ وَسَطٌ يَرْضَى الْأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ *إِذْا نَزَلَتْ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ

يقول ابن الأثير: "كل خصلة محمودة، فإن لها طرفين مذمومين، مثل أن السخاء وسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والإنسان مأمور أن يتجنب كل وصف مذموم" جامع الأصول (1/318). عباد الله: لما كان الانحراف عن تلك الوسيطة المنجية له خطره العظيم على المجتمع أفرادًا وجماعات فقد حذرت الشريعة منه، وجاءت الآيات والأحاديث الكثيرة في بيان خطره، يقول ربنا عَزَّ وَجَل محذرًا من الغلو وأهله:﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ[المائدة:77] كما نهانا سبحانه وتعالى عن طريق الطغيان في غير ما آية: منها قوله من آخر سورة هود يأمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلـم ومن معه- وأمته تبع لهم- :﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[هود: 112] ومن السنة في النهي عنه ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي  صلى الله عليه وسلـم : ((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا))البخاري(39) وفي رواية أخرى زاد: ((وَالقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا))البخاري(6463) "أي: الزموا الطريق الوسط المعتدل؛ تبلغوا المنزل الذي هو مقصدكم"شرح القسطلاني (9/266). ويحذر النبي  صلى الله عليه وسلـم  أمته من خطر الغلو وعاقبته المذمومة فيقول  صلى الله عليه وسلـم : ((إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ)) النسائي (3057)، وصححه الألباني. وفي هذا ما وصف عبد الله بن مسعود رضي الله عنـه أصحاب محمـد صلى الله عليه وسلـم  حيث قال -لما رأى ما أُحدث من الأمور-: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلـم  فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا، وَأَحْسَنَهَا حَالًا، قَوْمًا اخْتَارَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ  صلى الله عليه وسلـم ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ"جامع بيان العلم وفضله (2/974) سبحان الله! يقول هذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنـه في زمانه فكيف لو رأى حالنا في أيامنا هذه؟! كيف وقد أطلت الفتنة برأسها يقود زمامها ويتولى كبرها تلك الجماعات المنحرفة عن الصراط المستقيم، الداعية ليلًا ونهارًا إلى إضلال أبناء المسلمين؟! قومٌ من شرار الخلق ابتدعوا في دين الله ما ليس منه، وانحرفوا عن صراطه المستقيم، وراحوا يمشون بين الناس بأهوائهم دون سند صحيح من كتاب أو سنة، أو هدي واضح عن سلف هذه الأمة، أو فهم لحقائق الآيات والنصوص النبوية كما فهمها العلماء الربانيون! لقد لبسوا لبوس الخوارج، يدعون الناس للخروج من جماعة المسلمين، ويحرضونهم على الإفساد باسم الدين، والدين من أقوالهم وأفعالهم براء، ونبينا  صلى الله عليه وسلـم  ينبهنا لهذه المحدثات التي هي أساس كل فساد وانحراف عن صراط الله المستقيم، فيقول كما صح عنه  صلى الله عليه وسلـم  مبينًا الداء وواصفًا الدواء: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا،فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))أبو داود(4607)، وصححه الألباني. فبهذا البيان السديد، وهذا النهج الرشيد تكون النجاة في بحار تلك الفتن، بلزوم سنة النبي  صلى الله عليه وسلـم  وخلفائه الراشدين المهديين من بعده، عضَّوا على سننهم بالنواجذ، ودعوا مقالة كل مبتدع مخالف لسبيلهم، يقول ابن القيم رحمه الله:

وبالسُّنَّة الغرَّاء كنْ متمسِّكًا**هي العُرْوةُ الوُثقى التي ليْس تُفْصَمُ
تمَسَّكْ بها مَسْكَ البخيلِ بِمالِهِ** وعَضَّ عليها بالنواجِذِ تسْلَمُ

وَدَعْ عنكَ ما قد أحدثَ الناسُ بَعدَها**فمَرْتعُ هاتيكَ الحوادثِ أوْخَمُ

معاشر المسلمين: لقد رأينا أثر الانحراف الفكري الذي تمثله تلك الجماعات الضالة الآثمة من أمثال داعش ومثيلاتها من خطر على أمن العباد والبلاد، فضلًا عما صدَّروه للعالم من صورة ظالمة عن هذا الدين العظيم، وقد انبرى العلماء الأتقياء للذود عن حياض هذا الدين، وكشف زيوف أفكار تلك الجماعات؛ صيانة للدين، وحماية لشباب هذه الأمة من أهل تلك البلاد وغيرهم من الانجراف لتلك الأفكار التي تسعى لإهلاك الحرث والنسل، فالله الله في التلاحم لصد كيدهم، وكشف بدعتهم، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ[المائدة:2]. إن تحقيق الأمن بمعناه الشامل لا يمكن أن يكون مسؤولية الجهات الأمنية فقط، مهما بلغت كفايتها وقدرتها، وذلك لأن كل جريمة أو انحراف سلوكي، يسبقه نوع من الانحراف الفكري، أو خلل في التفكير، أو قصور في التربية، ومن هنا يزيد الاهتمام بالأمن الفكري، سعيًا إلى حماية هذا الفكر من أيّ انحراف قد يتحوّل إلى سلوك إجرامي يهدّد الأمن، أيها الإخوة الكرام: لقد نُدبنا في هذا العالم لرسالة سامية شريفة، نحن فيها الموجهون والقادة والدعاة إلى المثل العليا والحماة لها، يقول ربنا عَزَّ وَجَل :﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[آل عمران:104]. إن هذا الخطر المحدق بشبابنا القاعد لهم في المواقع والمنتديات وعلى الشاشات وغيرها من الوسائل الداعمة له يحتاج منا جميعًا إلى التكاتف، والوقوف صفًّا واحدًا في وجهه بكل سبيل، دون هوادة أو تساهل إن أردنا النجاة لبلادنا وأبنائنا ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[التوبة:71]. ألا فاعلموا أن التهاون في التعاضد والتلاحم في مجابهة تلك الشرذمة لا يعود ضرره عليهم فحسب، وإنما يتعدى أذاه ليطال الجماعة المسلمة كلها، يقول نبينا  صلى الله عليه وسلـم  مصورًا حال الساكت عن الخطر التارك له: ((مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا))البخاري(2493) فلنأخذ جميعًا على أيدي هؤلاء، ولنحم أبناءنا وأمتنا من سمومهم، نسأل الله أن يسبغ على بلادنا الأمن والأمان، وأن يحفظها من كل شر، وأن يوفق شبابها لكل خير، وأن يوفق ولي أمرها لما فيه خير البلاد والعباد، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :