خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
7092199
زوار الشهر :
253901
زوار اليوم :
627


السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(47)

غزواته ﷺ : غزوة أُحُد (1)  2-8-1438هـ

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أفضل صلاة وأزكى تسليم. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه ، خاصة في مثل هذا الواقع المعاصر، خاصة مع مثل هذه الفتن والأحداث، المسلم العاقل يتحرَّى سلامة المنهج والذي لن يكون إلا باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا والله في واقعنا لتتبع سيرة نبينا محمد، والوقوف على دروسها وعبرها، وهذه هي الخطبة السابعة والأربعون من سلسلة خطب السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة، وكنا قد تناولنا في الخطبة الماضية غزواته بعد بدر، ومنها غزوة بني قينقاع التي أدَّت إلى إجلاء يهود بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ بَطْن مِنْ بُطُونِ يَهُود الْمَدِينَةِ، تصديقًا لقوله : «إِنَّمَا المَدِينَةُ كَالكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طِيبُهَا»متفق عليه، وذلك بعد أن غدروا وتآمروا ونقضوا العهد المبرم بينهم وبين النبي ، فوقعوا في الحفرة التي حفروا للمسلمين، وهذا درس أثبتته التجارب والتاريخ بأن الظلم والإساءة ترجع عاقبتهما على صاحبهما، فمن حفر حفرًا لأخيه وقع فيها، {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}[فاطر: 43]،  وها نحن اليوم نصل في هذه السيرة العطرة إلى مرحلة جديدة من مراحل جهاده وكفاحه، وكان الاختيار من الله تعالى لرسوله والمؤمنين غزوة أُحُد؛ ليميز الصادقين من المنافقين، ومما يبين مكانة هذه الغزوة، وعظم شأنها، والحكمة البالغة منها، أن جاء الخبر عنها في القرآن الكريم في ثمان وخمسين آية من سورة آل عمران، بدأت بذكر أول مرحلة من مراحل الإعداد للقتال فيها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[آل عمران:١٢١]، انظر زاد المعاد(3/196). وانتهت ببيان الحكمة البالغة التي أرادها الله منها، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾[آل عمران:١٧٩]، فكانت المواجهة التي سعت إليها قريش بكل ما تمتلك من قوة، يدفعهم غيظهم وحقدهم على رسول الله ومن معه، ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] , فأكبر دافع للمشركين في خوضهم هذه الحرب هو بغضهم لدعوة التوحيد، وإصرارهم على الصد عن سبيل الله العزيز الحميد،. وهذا يُظْهِرُ مدى إصرارهم على الكفر والعناد، وصدهم عن سبيل رب العباد، وهذا أمر ليس بجديد، فهو ظاهر منذ بعثة النبي بنور التوحيد، ولكن يُضاف إلى هذه العداوة، ما فرضه الواقع الجديد، بعد غزوة بدر: أولًا: الثأر: فقد طالبَ بهِ الَّذينَ أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ آبَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَإِخْوَانُهُمْ، ففورَ عودةِ أبي سفيانَ بالعيرِ، كلَّمُوهُ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ فِي تِلْكَ الْعِيرِ مِنْ قُرَيْشٍ تِجَارَةٌ، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَتَرَكُمْ(أي: أدرك فيكم مكروهًا)،، وَقَتَلَ خِيَارَكُمْ، فَأَعِينُونَا بِهَذَا الْمَالِ عَلَى حَرْبِهِ، فَلَعَلَّنَا نُدْرِكُ مِنْهُ ثَأْرَنَا بِمَنْ أَصَابَ مِنَّا، فَفَعَلُوا..، فَفِيهِمْ، أَنَزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. انظر سيرة ابن هشام (2/60). قال ابن كثير في تفسير الآية:"فَهِيَ عَامَّةٌ. وَإِنْ كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا خَاصًّا، فَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْكُفَّارَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنِ اتِّبَاعِ طَرِيقِ الْحَقِّ، فَسَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَذْهَبُ أَمْوَالُهُمْ".تفسير ابن كثير(4/53). كما هو حالهم الآن تراهم ينفقون ويبذلون؛ ليصدوا عن سبيل الله، بالحرب والقتال تارة، وبالمكر والغزو الفكري تارة، وبتدبير المؤامرات تارات وتارات، ولكنهم لا يعقلون، أنَّ لهم في الدنيا حسرة، وفي الآخرة إلى جهنم يُحْشَرُون. ومن دوافع غزوة أحد: التجارة، فقد كان الاقتصاد في مكة قائمًا على رحلتي الشتاء والصيف، كما أخبر سبحانه: ﴿ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾[قريش:١-٤] لكن بعد غزوة بدر ونصر الله عَزَّ وَجَل لأهل الإيمان، صار المشركون يحذرون طريق الشام خوفًا من رسول الله والصحابة رضي الله عنهما ، قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ: "إنّ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ قَدْ عَوّرُوا عَلَيْنَا مَتْجَرَنَا[أي: أفسدوه]، فَمَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَصْحَابِهِ، لَا يَبْرَحُونَ السّاحِلَ، وَأَهْلُ السّاحِلِ قَدْ وَادَعَهُمْ[أي: صالحهم وسالمهم]، وَدَخَلَ عَامّتُهُمْ مَعَهُ، فَمَا نَدْرِي أَيْنَ نَسْلُك، وَإِنْ أَقَمْنَا نَأْكُلُ رُءُوسَ أَمْوَالِنَا وَنَحْنُ فِي دَارِنَا هَذِهِ، مَا لَنَا بِهَا نِفَاقٌ[جمع: نفقة]، إنّمَا نَزَلْنَاهَا عَلَى التّجَارَةِ، إلَى الشّامِ فِي الصّيْفِ وَفِي الشّتَاءِ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ" المغازي للواقدي (1/197). وقد استعدت قريش لمواجهة هذا الواقع المخزي بكل الوسائل الممكنة، من: جمع الأموال، وحشد الرجال. أما الأموال: فقد شرعت قريش في جمع المال لحرب رسول الله فور عودتهم من بدر, فلما رجع أبو سفيان بعيرهم فأوقفها بدار الندوة، فلم يحركها ولا فرقها، فطابت أنفس أشرافهم أن يجهزوا منها جيشًا لقتال رسول الله. انظر سيرة ابن هشام(2/60). أما حشد الرجال: فقد فتحت قريش باب التطوع لكل من أحب المساهمة في غزو المسلمين من الأحابيش وكنانة وأهل تهامة، حتى أنهم ذكروا ذلك صراحة في أشعارهم:


سُقْنَا كِنَانَةَ مِنْ أَطْرَافِ ذِي يَمَنٍ*عُرْضُ الْبِلَادِ عَلَى مَا كَانَ يُزْجِيهَا


فأجابهم حسان بن ثابت رضي الله عنه قائلًا:


سُقْتُمْ كِنَانَةَ جَهْلًا مِنْ سَفَاهَتِكُمْ ... إلَى الرَّسُولِ فَجُنْدُ اللَّهِ مُخْزِيهَا

وَدَعَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ غُلَامًا لَهُ حَبَشِيًّا يُقَالُ لَهُ: وَحْشِيٌّ، يَقْذِفُ بِحَرْبَةِ لَهُ قَذْفَ الْحَبَشَةِ، قَلَّمَا يُخْطِئُ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: اُخْرُجْ مَعَ النَّاسِ، فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْتُ حَمْزَةَ عَمَّ مُحَمَّدٍ بِعَمِّي طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيٍّ، فَأَنْتَ عَتِيقٌ".سيرة ابن هشام(2/61). وكان من حشدهم أنهم أخرجوا نساءهم؛ لئلا يفروا، ويكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال؛ دفاعًا عن أعراضهم. انظر زاد المعاد (3/172). قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ: "اُخْرُجُوا بِالظّعُنِ[أي: النساء]، فَأَنَا أَوّلُ مَنْ فَعَلَ، فَإِنّهُ أَقْمَنُ أَنْ يُحْفِظْنَكُمْ وَيُذَكّرْنَكُمْ قَتْلَى بَدْرٍ، فَإِنّ الْعَهْدَ حَدِيثٌ وَنَحْنُ قَوْمٌ مُسْتَمِيتُونَ لَا نُرِيدُ أَنْ نَرْجِعَ إلَى دَارِنَا حَتّى نُدْرِكَ ثَأْرَنَا أَوْ نَمُوتَ دُونَهُ". المغازي للواقدي (1/202). سبحان الله! هكذا يصنع الانتقام والصد عن سبيل الله! وكان أربح لهم في الدنيا والآخرة أن يكونوا موحدين، لكنهم أبوا إلا أن يكونوا من المعذبين. وهكذا استكملت قريشٌ عدتها وعتادها، واجتمع لها ثلاثة آلاف مقاتل من قريش وحلفائها، وبعدة وسلاح كثير، فيهم سبعمائة يلبسون الدروع، ومئتا فرس، وثلاثة آلاف بعير.انظر المغازي للواقدي (1/203). وقد علم رسول الله بتحرك كل هذه القوى من قريش وحلفائها، فلما تحرك هذا الجيش، بعث العباس بن عبد المطلب رسالةً إلى النبي ، ضمَّنها جميع تفاصيل جيش المشركين، وعدتهم وعتادهم.انظر المغازي للواقدي(1/203-204). وقد كان "يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله ، وكان المسلمون يتقوون به بمكة، وكان يحب أن يقدم على رسول الله، فكتب إليه رسول الله :((إن مقامك بمكة خير))". الاستيعاب (2/812). وأما عن الوضع في المدينة فقد استشار رسولُ الله أصحابه أيخرج لملاقاة المشركين، أم يمكث في المدينة؟ وأخبرهم عن رؤيا كان قد رآها، كما في مسند أحمد عن جابر بن عبد الله أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا مُنَحَّرَةً، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةُ، وَأَنَّ الْبَقَرَ نَفَرٌ، وَاللهِ خَيْرٌ))، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: ((لَوْ أَنَّا أَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ فَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْنَا فِيهَا قَاتَلْنَاهُمْ))، فَقَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا دُخِلَ عَلَيْنَا فِيهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ يُدْخَلُ عَلَيْنَا فِيهَا فِي الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: ((شَأْنَكُمْ إِذًا))، فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: رَدَدْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ع رَأْيَهُ، فَجَاءُوا، فَقَالَوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، شَأْنَكَ إِذًا، فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ)) أحمد (14787)، وقال الأرنؤوط: إسناد على شرط مسلم. وفي هذه المحادثة بين النبي وأصحابه تظهر براعة القيادة وحكمتها، وحرصها على معرفة رأي الأجناد، والاستماع لهم، ويظهر فيها أثر التربية النبوية التي جعلتهم يصرحون بالرأي دون تحرج، وصدق ربنا جل في علاه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}[آل عمران: 159]. وهكذا يخرج رسول الله للجهاد في سبيل الله، لمقاتلة أعداء الله، بعدما جاهدهم بكتاب الله، وهذا القتال هو موضوع الخطبة القادمة إن شاء الله، أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، ومن مفاتيح الخير المباركين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين في كل مكان. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.





طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :