خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
8267922
زوار الشهر :
263029
زوار اليوم :
2633


الطلاق .. دراسات وأرقام  13-10-1438هـ

الحمد لله الذي أرشد عباده إلى سبيل الهداية، وحذرهم سبل الغواية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلِّ اللهم وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: عباد الله! فاتقوا الله واشكروه، فإنَّ نعم الله على عباده كثيرة، وعطاياه جزيلة، شرع لهم سبحانه ما فيه مصالحهم، ودلهم على ما فيه سعادتهم، فمتى التزم الناس منهج الله في الأرض تحققت لهم السعادة في الدارين، وإنَّ مما شرعه سبحانه وتعالى لعباده رحمة بهم، وشفقة عليهم، وتلبية لفطرتهم، الزواج، كما قال الحق تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[الروم: 21]، ومما يسر ويُبهج كثرة الزواج في مثل هذه المناسبات الصيفية، نسأل الله أن يبارك لكل زوجين، وأن يجمع بينهما بخير، وأن يرزقهما التوفيق والسعادة، وقد بيَّن سبحانه وتعالى لعباده جلالة أمر الزواج، وعظيم شأنه فسمَّاه ميثاقًا غليظًا، فقال عَزَّ وَجَل :{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}[النساء: 21]، ولقد راعت الشريعة الإسلامية النفوس البشرية، وما يطرأ عليها، فوضعت للزواج الإرشادات المفيدة، والنصائح السديدة، التي تضمن الحفاظ عليه، وتحفظه عن العبث، صونًا للزوجين وللأسرة، وحفظًا للنسيج المجتمعي من التفكك، بدءًا بحسن الاختيار للزوجة التي ستكون أمًّا تتولى رعاية الأبناء، وتقوم على تربيتهم، فأمر النبي طالب النكاح أن يختار ذات الدين فقال: "فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ" البخاري (5090)، ومسلم (1466)،كما أمر وليَّ المرأة أن يزوجها صاحب الدين والخلق الحسن، فقال: "إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ"الترمذي (1084)، وحسنه الألباني. ورغَّب الشارع في الإبقاء على الحياة الزوجية، ونهى عن كل ما يُعرضها للزوّال، فأمر بالمعاشرة بالمعروف، ولو مع الكراهة، فقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}[النساء: 19]، كما أوصى النبي بالصبر على النساء، وأوصى بهن، فقال:"اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا" البخاري (5186)، ومسلم (1468)،وكما أوصى الشارع بالنساء خيرًا، فقد حمَّلهن مسؤولية رعاية بيت الزوجية، فصحَّ عنه أنه قال: "وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا،وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا"البخاري (893)، ومسلم (1829). وفي صحيح مسلم بيَّن النبي أن سعيَ الشيطان وهمَّته الحثيثة؛ إنما تكون في تمزيق الأسر، وتخريب البيوت، والتفريق بين الأزواج فقال :"إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ"مسلم (2813).قال العلامة الهروي: "هذا- يعني الطلاق-، وإن كان بحسب الظاهر أمرًا مباحًا، ولكنه من حيث إنه قد يجر إلى المفاسد يصير مذمومًا، ويحث عليه الشياطين، ويفرح به كبيرهم. انظر: مرقاة المفاتيح (1/141، 142). ومن تأمل في واقعنا المعاصر وجد أن مِن أعظم ما يُهدد الحياة الزوجية: التساهل بأمر الطلاق، حتى تزايدت النسب والأرقام فيه، والمصيبة أن ضرر الطلاق لا يعود على الزوجين فحسب، وإنما يترتب عليه الكثير من الأمور غير المحمودة، فتُشتت الأسر، ويضيع الأولاد، وتقطَّع الأرحام، وإنما كثر الطلاق، وتساهل الناس فيه، لما أهملوا حقوق الزوجية وواجباتها، حتى صار كل طرف همُّهُ أن يحصل على حقوقه من غير نقصان، دون أن يعطي الطرف الآخر حقه، وليس هذا من الإنصاف في شيء، ولذا حذر نبينا من هذا فقال: "أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ".الترمذي (1163)، وحسنه الألباني. فلما غفل الأزواج مثل هذه المعاني الشرعية: كثر الطلاق حين صار الأزواج لا يغفرون الزلة، ولا يقيلون العثرة، ولا ريب أن بقاء البيوت لا يستقيم دون صفح عن الزلات، وتغافل عن الهنَّات، فلئن عاب أحد الزوجين في الآخر خُلقًا، فَلْيرضَ عن خلق آخر، كما وجّه نبينا ، -في صحيح مسلم- فقال:"لَا يَفْرَكْ(يبغض) مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ"مسلم (1469). قال الحافظ: "أي: ينبغي أن لا يبغضها؛ لأنه إن وجد فيها خلقًا يكره وجد فيها خلقًا مرضيا" فتح الباري (10/58). وكثيرًا ما رأينا من عضَّ أصابع الندم، وعاد على نفسه بالعتب، من جراء انفعال غير محمود، أو تهور غير محسوب، وقديمًا قال الفرزدق -نادمًا على تطليق امرأته نوار-:

نَدِمْتُ نَدَامَةَ الكُسَعِّي لَمَّا ... غَدَتْ مِنِّي مُطَلَّقَةً نَوَارُ

وكانَتْ جَنَّتِي فَخَرَجْتُ منها ... كآدَمَ حِيْنَ أخْرَجَهُ الضِّرَارُ

فَكُنْتُ كَفَاقِئٍ عَيْنَيِهْ عَمْدَاً ... فأصْبَحَ مَا يُضِئُ لَهُ النَّهَارُ

فكم من فرزدق نراه اليوم، ونسمع ندمه؟! ولات حين مندم! معاشر المسلمين: أرقام الطلاق في عالمنا الإسلامي صرخة نذير بأن نعود لوصايا وحي السماء، الذي لا ينطق عن الهوى، فالله عَزَّ وَجَل يقول في كتابه العزيز: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[البقرة: 228]، وهذه الدرجة إنما هي درجة القوامة والمسؤولية، وليس التسلط والتبعية، ولهذا كان خير الناس خيرهم لأهله، كما روت عائشة رضي الله عنه أن النبي أعلنها فقال:"خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي"الترمذي (3895)، وصححه الألباني. عباد الله: لنتواص بالأخلاق الحسنة، وبالمعاشرة الطيبة ليراعي كلٌ من الزوجين حق الآخر، فتسلم سفينة الحياة من الغرق، لِيَسْعَ كلٌّ منا بما آتاه الله ليُخفف (الطلاق) بل ويُجفف هذه الكلمة الصغيرة بحجمها لكنها جليلة الخطب، حسبكم أنها تقلب الفرح هذه الأيام ترحًا بعد شهور، تنقلب بسمة اليوم فرحًا بهذه المناسبات لغصة تشرق غدًا بها بعض البيوتات. أيها المسلمون: إن البيوت لا تبنى على الحب فحسب، فهذا الفاروق عمر رضي الله عنه يأتيه رجلُ يستشيره في طلاق امرأته، فيسأله الفاروق عن السبب، "لِمَ تُطَلِّقُها؟ قالَ: لا أُحِبُّها. قال: أوكُلُّ البيوتِ بُنِيَتْ على الحبِّ؟! وأين الرعايةُ والتذمُّمُ؟!" انظر: عيون الأخبار (3/18).

إِذَا أَنْتَ لَمْ تَصْبِرْ مِرَارًا عَلَى الْقَذَى***ظَمِئْتَ وَأَيُّ النَّاسِ تَصْفُو مَشَارِبُهْ

ويسمع الفاروق امرأة وقد سألها زوجها هل تبغضه؟ فقالت: نعم، فقال لها: "فَلْتَكْذِبْ إِحْدَاكُنَّ وَلْتُجْمِلْ، فَلَيْسَ كُلُّ الْبُيُوتِ يُبْنَى عَلَى الْحُبِّ، وَلَكِنْ مُعَاشَرَةٌ عَلَى الْأَحْسَابِ وَالْإِسْلَامِ" تهذيب الآثار (3/142). عباد الله: إنَّ من يطالع أرقام الطلاق التي تضرب المجتمع، ويتابع الدراسات والاحصاءات الرقمية التي تشير لنتائجه ليشعر بالحسرة، ويتملكه الخوف على مستقبل الترابط الأسري، ووحدة النسيج المجتمعي، وقد قام مركز رؤية للدراسات الاجتماعية بتحليل أبرز آخر عشر دراسات عن الطلاق بالمملكة؛ ومن بين تلك الاحصاءات توصل الباحثون لأهم خمس أسباب تؤدي للطلاق، وهي:"..عدم التكافؤ بين الزوجين، جهل الشريك بمعني الحياة الزوجية، المنازعات المستمرة، عدم معرفة الطرفين لبعضهما بشكل جيد قبل عقد القران، تدخل الأهل والأقارب في مشاكل الزوجين..و هذا السبب الأخير (تدخل الأهل والأقارب في مشاكل الزوجين) فقد بلغت نسبته 76%، مما ساهم في ارتفاع وقوع الطلاق، وتزايد أعداده بسبب تدخل الأطراف الخارجية في أمر الخلافات الزوجية، فتتعاظم الأمور، وتكثر الوشايات، وكثيرًا وللأسف ما يكون السعي بالإفساد بين الزوجين دون الإصلاح، رغم نهي النبي عن ذلك أشد النهي، بل وأنكر على فاعله، فقال:"لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ(أي: أفسد) امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا" أبو داود (2175)، وصححه الألباني. وقد بلغت نسبة وقوع الطلاق لعدم الإنجاب56،4%، وقد أوضحت الدراسات أن أكثر المراحل العمرية التي يحدث فيها الطلاق ما بين (19 – 25سنة)، وأما ما ينتج من آثار الطلاق فقد توصلت الدراسات إلى أن المرأة المطلقة تقل ثقتها في الرجال بعد طلاقها حيث بلغت نسبة 38.2%، واتفقت النتيجة مع قلة الزواج للمطلقات بنسبة 74%, وبينت الدراسات أن لا يوجد رغبة للمطلقات في تكرار الزواج مرة أخرى، لشعورهن بطمع الآخرين فيهن، بالإضافة لمشكلات أخرى مثل معاناة المطلقة من مراجعة الدوائر الحكومية بنسبة 69.44%، وعدم حصولها علي حقوقها الشرعية بنسبة 48.2%، كذلك المشاكل الاجتماعية مثل حق الحضانة ونفقة الأبناء بنسبة 92.8%، وحرمان المطلقة من رؤية أبنائها بنسبة 91.8%. وغير ذلك من أرقام تدل على العواقب الوخيمة والآثار السيئة التي تنتج عن التسرع في أمر الطلاق. عباد الله! يكفي أن أختم بهذه الجملة: سبحان الله! انتظرا كلٌّ منهما الآخر طويلاً حتى اجتمعا، ثم اجتمعا ليَسعدا ويَتعاشرا بالمعروف، فما لبثا أن أصبح كلٌّ منهما مصدر قلق وتعاسة على الآخر، بل ربما عداوة وبغضاء؟! فهل في أعمارنا القصيرة مساحة لتصفية الحسابات وتسديد فواتير العداوة؟ العمر بل الحياة كلها أقصر من ذلك، فالله الله في التسامح والعفو، والتغاضي والتحمل لتمضي سفينة الحياة الزوجية بسلام، فإنما هي أيام، فإن عجزتما فما أجمل وأروع وأهنأ توجيه وحي السماء:{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}[البقرة: 229]، وحسبكما وعد ربكما: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}[الشورى: 40]، من ذهب ليقتص من كل من أساء إليه، وينتقم من كل من أخطأ في حقِّه، فسوف يعود بذهاب الأجر، وعِظَم الوزر، وضيق الصدر، وكثرة الهمِّ، فيا أيها الزوجان: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}[فصلت: 34]. نسأل الله أن يبارك في بيوتنا، وأن يؤلف بين قلوبنا، وأن يجمع بين قلبي كل متزوجين بخير وسعادة، وأن ينزع الشقاق والنزاع منها، وأن يجنبها أسباب العداوة والبغضاء، وأن يحفظ أبناءنا وبناتنا من التفرق والتشتت والضياع، وأن يسبغ على أسرنا ومجتمعنا وأمتنا الألفة والمحبة، وأن يجنبهم الخصام والشقاق، وقطيعة الأرحام، أقول ما تسمعون، وأستغر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :