خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
8268027
زوار الشهر :
263134
زوار اليوم :
2738


العنف الأسري .. دراسات وأرقام  20-10-1438هـ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاةُ والسلامُ على من بعثه الله بالحنيفية السمحة رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن سار على نهجهِ واتَّبعَ سنتهُ إلى يومِ الدينِ. أما بعدُ: عبادَ اللهِ! اتقوا الله حقيقة التقوى، واعلموا أن حقيقتها بمراقبة الله في سلوكنا وتصرفاتنا، بأقوالنا وأفعالنا، إنها التقوى في المعاملات تطبيقًا وممارسةً خاصة مع الأقربين كأفراد الأسرة، فكل مصلح ومرب يدرك أهمية الأسرة وعظيم قدرها ومكانتها في تربية الأجيال وتخريج الرجال، وأنه بصلاحها تصلح المجتمعات، وبفسادها تفسد، فإذا كانت الأسر حصينة متينة، متماسكة مترابطة يصعب اختراقها، وبالمقابل فالأسر المتفككة المنهارة، والمتآكلة من الداخل بسبب الخلافات العائلية والمشاكل الأسرية وربما العنف الذي يمارس على أفرادها فهي أسر آيلة إلى السقوط، وحتمًا ستساهم في إفساد أخلاق النشء، وسوء تربيتهم، لتصبح محاضن آسنة لجميع الأمراض الاجتماعية والأخلاقية، ومن هنا كان اهتمام الإسلام بالأسرة عظيمًا، لكونها الأصل الأصيل، والأساس المتين، واللبنة الأولى للمجتمع، فهي الوضع الفطري الذي ارتضاه الله لحياة الإنسان، كما قال تعالى: ]وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً([الرعد:38]؛ فكل إنسان مفتقر إلى حمى الأسرة المتماسكة وعطفها وحنانها في جميع مراحل عمره، فالطفل الذي لا ينشأ في أحضان الأسرة أو ينشأ في أسرة مفككة ينمو مبتور العواطف، عدواني التصرف، وربما حاسدًا ناقمًا على المجتمع الذي يحسب أنه حرمه من دفء الأسرة وحنانها، والكل بحاجة إلى الأسرة طفلًا وشابًّا، رجلًا وكهلًا؛ فهو لا يجد أنسه وسعادته في غيرها، بل لا ترضى فطرته بديلًا عنها، فيظَلُّ مفتقرًا أبدًا إلى حماها، متعطشًا إلى عواطفها ومشاعرها؛ فالمشاعر والعواطف التي تنمو في جوِّ الأسرة نعمة ورحمة تقي التعاسة والشقاء، ويجعلها فضلًا من الله كالطيبات من الماء والغذاء، تدبروا قول الحق:]وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ([النحل:72]. فالتماسك الأسري داخل الأسرة يؤدي إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي لأفرادها، ويجنب النشء والشباب الانحراف الفكري والأخلاقي، والقلق والاكتئاب، ويساعدهم على زيادة تحصيلهم الدراسي، ومخزونهم الثقافي والعلمي، ويجعل هذه الأسرة تتفاعل مع اللبنات الأخرى في المجتمع، فالتماسك الأسري رابط قوي لتماسك المجتمع الإسلامي، وهو السبيل الأصيل لبناء أسرة سعيدة، ومجتمع متماسك، إلا أن البعض ممن أرباب الأسر لا يجيدون بناء أفرادها، بل أحيانًا يكونون معاول هدم لأفرادها، أثناء نشأتهم صغارًا، فالبعض يظن تربية الأولاد: توفير المسكن والمطعم، والشراب والملبس ونحوها، بينما تجده أو أحدهما -أي: الوالدين- جافًّا عنيفًا في معاملة أبنائه وبناته، وربما استخدم العنف اللفظي أو الجسدي من شتم وضرب ونحوه مع زوجه أمام أولاده، ليهدم وهو لا يدري الأسرة التي بناها؛ ولذلك ظهرت إشكالية العنف الأسري وبأرقام مخيفة؛ فقد قام مركز رؤية للدراسات الاجتماعية بعمل دراسة عن العنف الأسري، بعنوان:(العنف الأسري بين المواجهة والتستر)مبنية على مسح ميداني للواقع من قبل مختصين، وطبقت في خمس مناطق بالمملكة، وبواقع ثلاثمائة وثمانين380  مفردة  من كل منطقة في أربع عشرة مدينة، وقام أيضًا فريق الدراسة بمقابلة خمسين50 خبيرًا ممن يعملون في المؤسسات المهتمة بقضايا العنف الأسري، وبلغ إجمالي عدد مفردات هذه الدراسة ألفين وأربعين 2040 مفردة، وحُكّمت هذه الدراسة، ورُوجعت من قبل خبراء متخصصين، ومن أهمِّ ما ورد بهذه الدراسة من أرقام ومعلومات: أن العنف الأسري هو: كل سلوك يتضمن إيذاءً ماديًّا أو معنويًّا أو حرمانًا أو إهمالا يمارسه أقارب تجاه أقارب آخرين بصورة منتظمة أو متقطعة سواء مقيمين معهم أو في مساكن مستقلة بغرض إجبارهم على إتيان أفعال تناقض رغباتهم بأسلوب يتجاوز التأديب الجائز شرعا إلى استخدام وسائل إيذاء متنوعة، ويُقدر المختصون أن هناك ثلاثة مليون حالة عنف أسري تحدث في العالم سنويا معظمها من النساء، وأظهرت نتائج الدراسة تسعة أنماط للعنف الأسري: (الجسدي، الجنسي، النفسي، اللفظي، الصحي، الاجتماعي،الاقتصادي،الإهمال)، ويرى أكثر من أربعة وأربعين بالمئة (44.1%)من المبحوثين أن الضرب باليد والرفس هو أكثر أشكال العنف الجسدي انتشارًا، يليه الدفع والرمي بنسبة أكثر من سبعة وثلاثين بالمائة 37.7 % ثم شد الشعر بنسبة أكثر من أربعة وثلاثين بالمائة 34.8% وبعدها الجلد بالعقال أو سلك بنسبة أكثر من واحد وثلاثين بالمائة 31.6 %، كما يرى ثمانية وثلاثون بالمائة 38% من المبحوثين أن من أهم أشكال العنف الجنسي شيوعًا هو التسجيل والتصوير الجنسي الفاضح، يليه اغتصاب الذكور والإناث بنسبة سبعة وعشرين بالمائة 27%، كما بينت الدراسة أن ثلاث مناطق اتفقت أن العنف النفسي يمثل المرتبة الثانية في انتشار العنف الأسري  حيث يرى اثنان وسبعون بالمائة 72 % من المبحوثين أن قمع الأبناء والزوجة أكثر أشكال العنف النفسي شيوعًا، يليه حرمان الزوجة من رؤية بعض الأقارب بنسبة ستة وخمسين بالمائة 56 %، وبينت الدراسة أن العنف اللفظي هو أكثر أنواع العنف الأسري انتشارًا في المملكة، ومن أشكاله: التوبيخ الشديد بنسبة أربعة وثمانين بالمائة84 %، ثم يليه السب والشتم واللعن بنسبة أكثر من ثمانية وسبعين بالمائة 78.2 % يليه  الاستهزاء والتحقير بنسبة أكثر من ثلاثة وسبعين بالمائة 73.3 % يليه  سب الأهل كالوالدين والأقارب بنسبة أكثر من ثلاثة وستين بالمائة63.1 % ثم يليه تهديد الزوجة بالطلاق بنسبة أكثر من ثمانية وخمسين بالمائة58.3% ثم السب أمام الناس لزيادة التحقير والإهانة بنسبة أكثر من واحد وخمسين بالمائة51.8 %،ومن أنواع العنف الأسري: العنف بالإهمال، ومن أهم أنواعه التي وردت بالدراسة عقوق الوالدين وعدم البر بهما بنسبة أكثر من أربعة وخمسين بالمائة54.7 %، ومن أبرز أشكال العنف الاجتماعي:تفضيل الأبناء الذكور على الإناث بنسبة أكثر من تسعة وخمسين بالمائة 59.5%، يليه منع المطلقة من رؤية أبنائها بنسبة أكثر من سبعة وخمسين بالمائة 57.9 % يليه منع الأبناء من رؤية أمهم المطلقة بنسبة اكثر من خمسة وخمسين بالمائة 55.4 %  ثم تعليق الزوجة وعدم تطليقها لإذلالها بنسبة اكثر من واحد وخمسين بالمائة 51.3 % ثم  إعاقة زواج البنات دون مبررات  بنسبة أكثر من خمسين بالمائة 50.5%، ومن أبرز أشكال العنف الاقتصادي التي بينتها نتائج الدراسة: الاستيلاء على مرتب الزوجة بنسبة أكثر من خمسة وخمسين بالمائة 55.5 % يليه الاستيلاء على ميراث المرأة من أقاربها الذكور بنسبة أكثر من واحد وخمسين بالمائة 51.1 %  ثم عدم الإنفاق على الزوجة والتقتير عليها مع القدرة على الإنفاق بنسبة أكثر من ستة وأربعين بالمائة 46.9  %،وبينت الدراسة خمسة وعشرين أثرًا سلبيًّا للعنف الأسري، ولذلك استحق العنف الأسري وبجدارة لقب أم المشاكل، ومن أبرز هذه الآثار السلبية باختصار: طلب الزوجة للطلاق بنسبة أكثر من أربعة وثمانين بالمائة84.7 %، ثم التسبب في أمراض نفسية  بنسبة أكثر من سبعة وسبعين بالمائة 77.9 %  ثم التأخر الدراسي والرسوب بنسبة أكثر من أربعة وسبعين بالمائة 74.3 %، ثم  تعاطي المخدرات بنسبة أكثر من أربعة وسبعين بالمائة 74.2 %،  ثم الانحراف الأخلاقي  بنسبة ثلاثة وسبعين بالمائة 73 %  ثم الفشل الدراسي بنسبة أكثر من سبعين بالمائة 70.8 % إلى أخر تلك الآثار السلبية، التي انعكست على المجتمع عامة، ولاشك أن العنف الجسدي، أو العنف البدني، هو أكثر أشكال العنف افتضاحًا؛ لملاحظته واكتشافه بسهولة، فهو يُحْدِث أثرًا ظاهرًا في البدن لا يمكن التستر عليه، مع أن غيره قد يكون أشد وقعًا على النفوس؛ فـ

جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا التِئَامٌ ** وَلا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ الِّلسَانُ

وَجُرْحُ السَّيْفِ تَدْمِلُهُ فَيَبْرَا  ** وجُرْحُ الَّدهَرِ مَا جَرَح اللِّسانُ

وقد جاء الإسلام ليسن شرائع من شأنها حماية الأسرة بكل أفرادها من هذا العنف؛ فحمى المرأة وحفظ حقوقها، وصان كرامتها وشرفها، فعاملها كإنسانة مكلفة لها حقوق، وعليها واجبات، وأعطاها كامل الحرية في التعلّم والتملك والتصرف في مالها، والقاعدة الكبرى في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ[البقرة:228] ليحفظ كرامة الإنسان أيًّا كان ذكراً أو أنثى، وليرفع شأن الأسرة ووظائفها، ثم بعث النبي الكريم والمربي الأول  ليرفع راية الكرامة للإنسان فها هو  ((يُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ))(ابن ماجة (3678)، وأحمد (9666)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3/12-13) على شرط مسلم)، ثم يعلن للجميع فيقول: ((لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ الضَّرْبَ، وَايْمُ اللَّهِ لَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارَكُمْ))(أبو داود (2146)، وابن ماجة (1985) وصحح الألباني إسناده في صحيح سنن أبي داود). إلى غير ذلك من نصوص الشريعة التي وضعت كل التدابير اللازمة للقضاء على العنف الجسدي والإهانة النفسية لأي فرد من أفراد المجتمع الإسلامي عامة، والأسرة خاصة، لتؤكد أن المجتمع الإسلامي هو الوحيد الذي يأخذ بناصية الحلول الناجعة لردع هذه الظاهرة التي تجتاح العالم أجمع حسب الإحصاءات العالمية الرسمية،ودوافع العنف كثيرة؛ ومدارها على الغضب غير المنضبط الذي ينجر فيه الإنسان وراء انفعالاته دون مجاهدة لكظمها أو ترشيدها؛ وقد جاء للنبي فقال: أوصني، قال: ((لاَ تَغْضَبْ)) فردد مرارًا،قال:((لاَ تَغْضَبْ))(البخاري). وقال: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ" (البخاري،ومسلم. ويوجه المربي ويغرس فينا معاني جمال الحياة ورونقها، فها هو يقول:((دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ))(صحيح مسلم 995).فليسع أهلك وولدك منك بسط الوجه وحسن الخلق وكرم النفقة يُعوضك الله خيرًا ويبارك لك في مالك وبر ولدك لك، ووالله إننا لنعجب لماذا مجتمعات المسلمين تعاني من نسب العنف ونسب الطلاق والتفكك الأسري العالية ونحن نتفيأ بمثل هذه التوجيهات الربانية والمعاني التربوية؟! فهيا معاشر المؤمنين والمؤمنات: نتعاون على استئصال هذا الداء من عنف وتعد وسب وشتم، هيا لننشر بدله ثقافة الاحترام والحب والصبر وفن التعامل في مجتمعاتنا الإسلامية وبين أفراد أسرتنا، فإن الله سبحانه وتعالى أكرم الإنسان بالعقل واللسان، وبهما وبالحوار يمكن حل جميع المشاكل، وأما الرفس والنطح والاعتداء فصفة الحيوان البهيم، والحامل عليه الشيطان الرجيم، لزرع الأحقاد والثارات بيننا، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن كل خُلق لئيم، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، وأعنا على أنفسنا، وتب علينا برحمتك يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :