خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
11964528
زوار الشهر :
82914
زوار اليوم :
4037


السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(53)

جلاء يهود بني النَّضِير  20-3-1439هـ


الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أفضل صلاة وأزكى تسليم. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه  صلى الله عليه وسلـم ، فالمسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج والذي لن يكون إلا باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا لتتبع سيرة سيدنا ونبينا محمد  صلى الله عليه وسلـم ، والوقوف على دروسها وعبرها، ولقد انتهينا في جمعتنا الماضية عند الحديث عن المأساة البشرية التي عُرفت باسم بئر معونة، والتي راح ضحيتها خيار الصحابة من القراء والحفاظ الذين قُتلوا غدرًا بتدبير عدو الله عامر بن الطفيل، واليوم بمشيئة الله تعالى نكمل المسير والحديث، وحديثنا اليوم يدور حول ما يُعرف في كتب السير بجلاء بني النَّضِير، فمتى كان ذلك الجلاء؟ وما هي أسبابه وتداعياته؟ وكيف جرت أحداثه وأخباره؟ هذا ما سنعرفه اليوم بإذن الله تعالى، فأعيروني قلوبكم وأسماعكم. نسأل الله تعالى أن ينفع بنا وبكم، أيها الإخوة الكرام : تعود أحداث جلاء يهود بني النضير إلى شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة المباركة انظر: مغازي الواقدي (1/363)، أما السبب الرئيس في إجلائهم عن أرضهم وديارهم، فهو ما كان منهم من غدر وخيانة، وخسَّة وندالة، فكان لابد من تأديب الغادرين، وردع الخائنين، وإرسال رسالة للعرب كافة، ولجميع المشركين مفادها أن المسلمين لا يزالون موجودين، وأنهم ليسوا بالضعفاء، ولا بالمستسلمين، فاسمع بارك الله فيك ما جرى منهم من غدر وخيانة،  لقد أشرنا في حديثنا عن بئر معونة أن عمرو بن أمية كان في سرح(الرعاء) القوم، فسمح له عدو الله عامر بن الطفيل بالخروج بعد أن جزَّ (قطع) ناصيته(شعر مقدم الرأس)، فخرج "حَتَّى إذَا كان بِالْقَرْقَرَةِ(موضع قريب من المدينة) مِنْ صَدْرِ قَنَاةٍ (وَاد يأتي من الطَّائِف وَيصب فِي قرقرة الكدر)، أقبل رجلان من بني عامر، حتى نزلا معه في ظل هو فيه، وكان مع العامريَّين عقدٌ من رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  وجوار، لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا، ممن أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فأمهلهما، حتى إذا ناما، عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة(ثأر) من بني عامر، فيما أصابوا من أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلـم ، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله  صلى الله عليه وسلـم ، فأخبره الخبر، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلـم : ((لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ، لَأَدِيَنَّهُمَا!(أي: لأدفعن ديتهما)))" سيرة ابن هشام 2/182)، لقد قتلهم عمرو تبريدًا لمشاعر الحزن التي أحرقت قلبه على ما أصاب القراء من اغتيال وتنكيل، فعل ذلك وصورة القراء التي رآهم عليها لا تفارق عقله ولا خياله، فعل ذلك وهو جاهلٌ بالعقد الذي أعطاه الرسول  صلى الله عليه وسلـم  لهما، فلما علِم النبي  صلى الله عليه وسلـم  اغتم لذلك، وكان مما قال له: ((بِئْسَ مَا صَنَعْت، قَدْ كَانَ لَهُمَا مِنّا أَمَانٌ وَعَهْدٌ))مغازي الواقدي (1/364)، لكن ماذا عساه أن يفعل وقد ظنهما محاربين مقاتلين، فلمَّا لم يكن هناك من حلِّ إلا أن يُقدِّم الدِّية لأهل القتيل، قال ابن إسحاق: "خرج رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضَّمريُ؛ للجوار الذي كان رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  عقد لهما" سيرة ابن هشام (2/190). فكيف كان الحال لما أتاهم رسول الله  صلى الله عليه وسلـم ؟ "قالوا نعم، يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه- ورسول الله  صلى الله عليه وسلـم  إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد- فَمَنْ رجلٌ يعلو على هذا البيت، فيُلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فَانْتَدَبَ لذلك عمرو بن جَحَّاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليُلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله  صلى الله عليه وسلـم  في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي، رضوان الله عليهم" سيرة ابن هشام (2/190) خيانة ما بعدها خيانة، وخسة ليس بعدها خسة! وتدبير ما أمكرَه من تدبير! ولا عجب، إنهم قتلة الأنبياء، وسافكو الدماء، يخططون لقتل نبي آخر الزمان، لكن هيهات هيهات أن ينالوا منه e فقد كتب الله له العصمة من أذيَّة البشر فقال I: ]يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[[سورة المائدة: 67] ورغم ما خطط له اليهود من كيد، فقد كان هناك رأي حكيم حاول أن يثنيهم عن مخططهم، ويحذرهم من مغبَّة ما هم مقدمون عليه، فقال لهم سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ: "يَا قَوْمِ، أَطِيعُونِي هَذِهِ الْمَرّةَ وَخَالِفُونِي الدّهْرَ! وَاَللهِ إنْ فَعَلْتُمْ لَيُخْبَرَنّ بِأَنّا قَدْ غَدَرْنَا بِهِ، وَإِنّ هَذَا نَقْضُ الْعَهْدِ الّذِي بَيْنَنَا وبينه، فلا تفعلوا! ألا فو الله لَوْ فَعَلْتُمْ الّذِي تُرِيدُونَ لَيَقُومَنّ بِهَذَا الدّينِ مِنْهُمْ قَائِمٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَسْتَأْصِلُ الْيَهُودَ وَيُظْهِرُ دِينَهُ!" مغازي الواقدي (1/365)، ولكن: لأن اليهود أهل عناد واستكبار؛ رفضوا أن ينزلوا على رأي صاحبهم، فلقد عميت قلوبهم عن نور الحق والإيمان، فلم تعد ترى إلا الشر والطغيان، والقتل والإفساد، فتجهزوا لتنفيذ مخططهم، حيث أُحضرت الصخرة، وهُيئ مكانها أعلى البيت، والمجرم المنفذ على أهبة الاستعداد، ينتظر اللحظة المناسبة، واليهود مترقبون للأحداث، وفي اللحظة الحاسمة تدخلت العناية الربانية لتحفظ حياة النبي  صلى الله عليه وسلـم ،"فأتى رسولَ الله  صلى الله عليه وسلـم  الخبرُ من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة، فلما اسْتَلْبَثَ(استبطأ) النبيَ  صلى الله عليه وسلـم  أصحابُهُ، قاموا في طلبه، فلقوا رجلًا مقبلًا من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلًا المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلـم ، حتى انتهوا إليه  صلى الله عليه وسلـم ، فأخبرهم الخبر، بما كانت اليهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  بالتهيؤ لحربهم، والسير إليهم" سيرة ابن هشام (2/190)، فخرج إليهم  صلى الله عليه وسلـم  بعد أن أرسل محمد بن مسلمة إليهم لينذرهم بالخروج أو القتال، فما كان له  صلى الله عليه وسلـم  وهو صاحب الأخلاق الكريمة، والشيم الحميدة أن يغدر بهم، أو يقاتلهم دون إخطار وإعلان، فذلك من الخيانة التي لا يحبها الله كما قال في كتابه العزيز : ]وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ[[سورة الأنفال: 58] ، وبالفعل ذهب إليهم محمد بن مسلمة قائلاً لهم: "إنّ رَسُولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلـم  أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ يَقُولُ لَكُمْ: ((قَدْ نَقَضْتُمْ الْعَهْدَ الّذِي جَعَلْت لَكُمْ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ مِنْ الْغَدْرِ بِي))" وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا كَانُوا ارْتَأَوْا مِنْ الرّأْيِ وَظُهُورِ عَمْرِو بْنِ جَحّاشٍ عَلَى الْبَيْتِ يَطْرَحُ الصّخْرَةَ، فَأُسْكِتُوا فَلَمْ يَقُولُوا حَرْفًا. وَيَقُولُ: ((اُخْرُجُوا مِنْ بَلَدِي، فَقَدْ أَجّلْتُكُمْ عَشْرًا فَمَنْ رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ))! قَالُوا: يَا مُحَمّدُ، مَا كُنّا نَرَى أَنْ يَأْتِيَ بِهَذَا رَجُلٌ عن الْأَوْسِ. قَالَ مُحَمّدٌ: تَغَيّرَتْ الْقُلُوبُ ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ أَيّامًا يَتَجَهّزُونَ" مغازي الواقدي (1/368) ، لكنهم ما خرجوا، وما أرادوا الخروج، وأعلن بذلك كبيرهم الذي أرسل رسالة تأكيد إلى النبي  صلى الله عليه وسلـم  يقول فيها: "إنا لا نخرج، فاصنع ما بدا لك" تاريخ الخميس (1/460)، فأي تحدِّ هذا؟، وأي جرأة هذه؟ وما الذي جرأهم على صنيعهم؟، لقد توهموا أن المسلمين ضعفاء، أرهقتهم نار الحرب، وما وقع في الرجيع وبئر معونة، لكن الأمر لا يحتاج إلى هوادة أو تراخي، فخرج إليهم رسول   صلى الله عليه وسلـم ، وحَاصَرَهُمْ سِتَّ لَيَالٍ، ولأنهم جُبلوا على الجبن والخوف، وحب الحياة، فلم يستطيعوا المبارزة أو النِّزال؛ بل تحصنوا منه في الحصون وصدق الله إذ يقول: ]لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ[[سورة الحشر: 14] ، وبينما هم متحصنون في حصونهم أقبل المنافقون ليقوموا بدورهم الذي يتجدد في كل زمان ومكان في تأليب اليهود على المسلمين، فقد أوعزوا إليهم بالثبات، وأنهم سيتشاركون معهم في الخروج أو القتال، يقول ابن كثير:- رحمه الله- "ودسَّ عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه من المنافقين إلى بني النضير: أنَّا معكم نقاتل معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فاغتر أولئك بهذا، فتحصنوا في آطامهم" الفصول في السيرة (ص157)، واستمر الحصار عدة أيام، "فأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلـم  بِقَطْعِ النَّخِيلِ، وَالتَّحْرِيقِ فِيهَا، فَنَادَوْهُ: أَنْ يَا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنْ الْفَسَادِ، وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ، فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا؟" البداية والنهاية (5/535). أرأيتم ما هم عليه من التدليس والتلبيس؟ النبي  صلى الله عليه وسلـم  ما فعل ذلك إلا تخويفًا وترهيبًا؛ ليسلموا أمرهم، وينتهي حصارهم، ولم يكن ذلك إلا لغدرهم وخيانتهم ابتداءً، فكان لابد للنبي  صلى الله عليه وسلـم  أن يُنزلهم من صياصيهم [حصونهم]، وقد كان كلا الأمرين متاح للنبي  صلى الله عليه وسلـم  حيث يقول الله تعالى: ]مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ[[سورة الحشر: 5] ، فتأويل الآية كما أشار القاسمي "ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ، أي: نخلة من نخيلهم؛ إغاظًة لهم، أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ. أي: أمره ورضاه؛ لأن ذلك ليس للبعث والإصرار، بل لتأييد قوة الحق، وتصلّب أهله، وإرهاب المبطلين وإذلالهم"تفسير القاسمي (9/184)، ولما يئس اليهود من نصر المنافقين "قذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  أن يجليهم ويكفَّ عن دمائهم، على أنَّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الْحَلْقَة (السِّلَاح كُله، أَو خَاص بالدروع)، ففعل. فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نِجافٍ (العتبة الَّتِي بِأَعْلَى الْبَاب) بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام" سيرة ابن هشام (2/191). " وخلوا الأموال لرسول الله  صلى الله عليه وسلـم ، فكانت لرسول الله  صلى الله عليه وسلـم  خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسَّمها رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَأَبَا دُجَانَةَ سِمَاكَ ابْن خَرَشَةَ ذكرا فقرًا، فأعطاهما رسول الله  صلى الله عليه وسلـم " سيرة ابن هشام (2/192)، وكان مما نزل في تلك الأحداث من القرآن الكريم سورة الحشر بأسرها، حيث ذكَّرهم الله فِيهَا ما أصابهم به من نقمته، وما سلَّط عليهم به رسولَه  صلى الله عليه وسلـم ، وما عمل به فيهم. انظر: سيرة ابن هشام (2/192)  حتى أظفره الله عليهم، وخيَّب مسعاهم،




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :