خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
9910727
زوار الشهر :
207604
زوار اليوم :
3235


السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(56)

غزوة بني المصطلق (المريسيع)   في 2-5-1439هـ


الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أفضل صلاة وأزكى تسليم. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، والسعيد من اتبع هدي نبيه  صلى الله عليه وسلـم ،فالمسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج و سلامة المنهج باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا لتتبع سيرة حبيبنا وقدوتنا وأسوتنا محمد  صلى الله عليه وسلـم ، والوقوف على دروسها وعبرها، وها هي الخطبة السادسة والخمسون من سلسلة خطب السيرة النبوية و تطبيقاتها المعاصرة وكنا قد انتهينا من الحديث عن غزوة دومة الجندل والتي كانت في شهر ربيع الأول من السنة الخامسة الهجرية ونواصل الحديث عن غزوة من أهم الغزوات والتي جاء ذكرها في السيرة النبوية؛ لما فيها من الأحداث الجسيمة والدروس العظيمة، إنها غزوة: بني المصْطَلِقِ، أو الْمُرَيْسِيعَ؛ والتي كانت في شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة النبوية على أرجح الأقوال انظر: مغازي الواقدي (1/404)، وطبقات ابن سعد (2/ 63)، حيث وردت إلى النبي  صلى الله عليه وسلـم  بعض الأخبار مفادها أن سيد بني المصطلق وهو الحارث بن أبي ضِرَار، ومعه جماعة من العرب تحالفوا على حرب رسول  صلى الله عليه وسلـم ، و"ابْتَاعُوا خَيْلًا وَسِلَاحًا وَتَهَيّئُوا لِلْمَسِيرِ إلَى رَسُولِ اللهِ صلوات الله وسلامه عليه " مغازي الواقدي (1/404). تحقق النبي  صلى الله عليه وسلـم من الخبر فوجده صحيحًا، فبدأ على الفور بالتجهيزات، والاستعدادات يقول ابن إسحاق: "فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلـم  بِهِمْ خَرَجَ إلَيْهِمْ"  سيرة ابن هشام (2/290)، وفي الطريق علم الحارث بمسير جيش المسلمين، فأصابه الهلع والخوف الشديد، ثم انتهى  صلى الله عليه وسلـم  إلى الْمُرَيْسِيعِ (وهو ماء لخزاعة من ناحية قديد إلى الساحل) فنزله، وَضُرِبَ لرسول الله  صلى الله عليه وسلـم  قبة من أدم، ومعه من نسائه عائشة وأم سلمة رضي الله عنهمـا ، وقد اجتمعوا على الماء، وأعدوا وتهيئوا للقتال، فصف رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  أصحابه، ثم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنـه فنادى في الناس: ((قُولُوا لَا إلَهَ إلّا اللهُ، تَمْنَعُوا بِهَا أَنَفْسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ))"  انظر: مغازي الواقدي (1/407)، لكنه لم يجد منهم جوابًا إلا العناد والإباء، ثم تجرأ رجل منهم فرمى المسلمين بسهم "فرمى المسلمون ساعة بِالنّبْلِ، ثم إن رسول الله  صلى الله عليه وسلـم أمر أصحابه أن يحملوا، فحملوا حملةَ رجلٍ واحدٍ، فما أفلت منهم إنسان، وقُتِل عشَرةٌ منهم، وأُسِر سائرهم، ..."مغازي الواقدي (1/407). لقد أغار عليهم  صلى الله عليه وسلـم  بعد أن أنذرهم وبلغهم رسالة التوحيد بأن يشهدوا أن لا إلا إلا الله هذه الرسالة العظيمة التي خلق الله تعالى من أجلها الخلق  فاضطربوا، ولم يتمكنوا من المقاومة وأبوا أن يدخلوا في الإسلام فاضطروا للقتال ولم يستطع  أحد منهم الفرار، فُقتِل من قاوم منهم، واستسلم الباقون؛ إذ لا فرار من الإذعان لنصر الله ورسوله  صلى الله عليه وسلـم  والمؤمنين، أيها المؤمنون: لقد انتصر الرسول  صلى الله عليه وسلـم  ومن معه  بما قذفه الله في قلوب أعدائه من الرعب والخوف، وما زال والله أعداء الإسلام اليوم يخافون الإسلام اليوم رغم ضعف المسلمين وهذا الخوف والرعب مكرمة أكرم الله عز وجـل بها نبينا  صلى الله عليه وسلـم  دون سائر الأنبياء، واسمعوا لابنة سيد بني المصطلق السيدة جويرية بنت الحارث وهي تصف الأجواء التي عايشتها مع قومها، تقول: "أَتَانَا رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلـم  وَنَحْنُ عَلَى الْمُرَيْسِيعِ فَأَسْمَعُ أَبِي يَقُولُ: أَتَانَا مَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ، قَالَتْ: فَكُنْت أَرَى مِنْ النّاسِ وَالْخَيْلِ مَا لَا أَصِفُ مِنْ الْكَثْرَةِ، فَلَمّا أَنْ أَسْلَمْت وَتَزَوّجَنِي رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلـم  وَرَجَعْنَا جَعَلْت أَنْظُرُ إلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسُوا كَمَا كُنْت أرى، فعلمت أنه رعب من اللهِ تَعَالَى يُلْقِيهِ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ" مغازي الواقدي (1/408- 409)، وصدق الله إذ يقول:) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ( [آل عمران: 151]، لما كتب الله النصر لنبينا  صلى الله عليه وسلـم  واستسلم بنو الحارث، جُمِعتْ الغنائم وسُبيتْ النساء، وكانت بنت سيد بني المصطلق من السبايا التي وقعت في سهم ثابت بن قيس رضي الله عنـه ، فأرادت من رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  أن يقضي عنها مكاتبتها، ففعل ذلك طمعًا في إسلام أهلها وعشيرتها، فلم يكن بدٌّ من زواجها، ولما "بلغ الناس أن رسول اللَّه  صلى الله عليه وسلـم  تزوجها، قالوا: أصهار رسول الله   صلى الله عليه وسلـم ، فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق" سيرة ابن إسحاق (1/263)، والقصة أصلها عند أبي داود (ح:3931)؛ إكرامًا للنبي صلوات الله وسلامه عليه، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهـا وقد كانت حاضرة يومئذ- : "فَأَعْتَقَ (أي: المسلمون) مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ بِتَزْوِيجِ رَسُولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلـم  إيّاهَا، فَلَا أَعْلَمُ امْرَأَةً أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا" مغازي الواقدي (1/411). رضي الله عنهـن أجمعين وكعادة المنافقين في كل زمان ومكان ومحاولاتهم لزعزعة صف المسلمين وإثارة الفرقة بينهم فالأحداث في تلك الغزوة تكشف لنا عما يضمره المنافقون من حقد وغل وحسد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلـم والمؤمنين ودينهم ، فقد استطاعوا أن يوقظوا نار الفتنة بين المسلمين في تلك الغزوة بإثارة نعرات الجاهلية وعصبيات قديمة، يقول جابر رضي الله عنـه : "غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلـم  وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ(أي: يلعب بالحراب كما تصنع الحبشة) فَكَسَعَ(من الكسع، وهو: ضرب دبر غيره بيده أو رجله، وقيل: هو ضرب العجز بالقدم) أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ, فَخَرَجَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلـم  فَقَالَ ((مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ)). ((مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ)) ثُمَّ قَالَ: ((مَا شَأْنُهُمْ؟)) فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلـم : ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ))" رواه البخاري (ح:3518)، فما أن سمع النبي  صلى الله عليه وسلـم  بتلك العصبيات الجاهلية تطل برأسها بين المسلمين حتى أعلن إنكارها، وطالبهم بتركها بقوله لهم: ((دَعُوهَا فَإِنّهَا مُنْتِنَةٌ)) انظر: الروض الأنف للسهيلي(2/ 53)، دعوات منتنة ما زال أعداء الإسلام وبعض الجهال يثيرها لإضعاف المسلمين وإشغالهم ببعض حتى في يومنا هذا عصبيات قبلية وعنصرية أماتها الإسلام فَيُحْيِهَا الشيطان، لمزيد من الفرقة والتناحر والاختلاف، لكن ابن سلول لما رأى رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  قد أخمد ما كان بين المهاجرين والأنصار، عزَّ عليك ذلك، فأظهر ما بداخله من الكره والبغض نحو رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  ودينه، فظهر نجم نفاقه، فقال: "لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ:"أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْخَبِيثَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلـم : ((لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)) رواه البخاري (ح:3518)، وأَمرَ  صلى الله عليه وسلـم  " مباشرة بِالرَّحِيلِ ، وَذَلِكَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلـم  يَرْتَحِلُ فِيهَا، فَارْتَحَلَ النَّاسُ" سيرة ابن هشام (2/291)، وهذا من حنكته ومن حكمته عليه الصلاة والسلام وما أن لقي النبي  صلى الله عليه وسلـم   زعيم الأوس وفارسهم أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ حتى أخبره الخبر، فقال للنبي  صلى الله عليه وسلـم :"يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاَللَّهِ تُخْرِجُهُ مِنْهَا إنْ شِئْتُ؛ وَاَللَّهِ نخرِجُهُ مِنْهَا إنْ شِئْتُ هُوَ وَاَللَّهِ الذَّلِيلُ وَأَنْتَ الْعَزِيزُ" سيرة ابن هشام (2/292)، وقد أنزل الله على نبيه سورة تفضح المنافقين وأفعالهم، وكان مما نزل على النبي  صلى الله عليه وسلـم  قوله تعالى : )يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ( [آل عمران: 151]، وما إن علم عبد الله بن عبد الله بن أبي رضي الله عنـه بما قاله أبوه حتى جاء إلى النبي  صلى الله عليه وسلـم  وبادره قائلاً: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتُ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ، فَأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْك رَأسه، فو الله لَقَدْ عَلِمَتْ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ، فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَمْشِي فِي النَّاسِ، فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِكَافِرِ، فَأَدْخُلَ النَّارَ، فَقَالَ  صلى الله عليه وسلـم : ((بَلْ نَتَرَفَّقُ بِهِ، بَلْ نَتَرَفَّقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا))" سيرة ابن هشام (2/293)، سبحان الله أخلاق الحبيب والأسوة أخلاق الحبيب صلى الله عليه وسلـم هذا الموقف من عبد الله بن عبد الله بن أبي رضي الله عنـه يوضح كيف كان حب الله ورسوله مقدمًا على كل حب حتى ولو كان الأهل والعشيرة  فقد كان  صلى الله عليه وسلـم  عند الصحابة الكرام أحب إليهم من أنفسهم وأهليهم والناس أجمعين، ثم لو كان صلى الله عليه وسلـم يريد القتل والدماء في غزواته كما يزعم الأعداء اليوم لكانت فرصة ثمينة للتخلص من أشد وألد أعدائه فأمر النبي  صلى الله عليه وسلـم  عبد الله بن عبد الله أن يقتل والده ـ لكنه صلى الله عليه وسلـم صاحب الخلق الرفيع يطلب منه الرفق وحسن معاملة والده، رغم نفاقه رغم كفره هكذا أخلاق الكبار معاشر المسلمين هكذا أخلاق المسلمين حتى مع أعدائهم  فقد كان  صلى الله عليه وسلـم  حريصًا على وحدة الصف المسلم؛ فهو يعلم أن لابن سلول أتباعًا قد تدفعهم الحمية للاقتتال مع إخوانهم من المسلمين، فتحدث فتنة عظيمة في المدينة، فكان  صلى الله عليه وسلـم  بعيد النظر، يعالج المواقف العصيبة بقوة أعصاب وتقدير لتوابعها. ثم تتوالى الأحداث في تلك الغزوة العصيبة وتستمر معها ملاحقات المنافقين لإيذاء النبي الكريم  صلى الله عليه وسلـم ، لكنهم هذه المرة شنّوا حربًا نفسية استهدفت النيل من عِرْضِه  صلى الله عليه وسلـم  بإثارة الإشاعات الكاذبة حول زوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنـها ،تقول عائشة رضي الله عنـها -في حديث طويل: "حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلـم  مِنْ غَزْوِهِ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ، وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ رضي الله عنـه قَدْ عَرَّسَ (النزول أخر الليل) مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَادَّلَجَ (السير آخر الليل)، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَيَّ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ (غطيت) وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَاللهِ مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ، بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَة (وقت القائلة وشدة الحر)" رواه البخاري (ح:4750)، ومسلم (ح: 2770). "فلما رأى ذلك الناس تكلم المنافقون بما الله مجازيهم به، وجعل عبد الله بن أبي مع ما تقدم له من الخزي في هذه الغزوة يتكلم في ذلك ويستحكيه، ويظهره ويشيعه ويبديه" الفصول في السيرة لابن كثير (ص: 181)، فاستطاعوا أن ينشروا خبر الإِفك بين الناس، حتى بلغ الخبر رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  فضاق بذلك ذرعًا، ومرت أيام عصيبـة عليه وعلى أم المؤمنين عائشة وعلى المسلمين في المدينة، تصفها أم المؤمنين رضي الله عنـها ، فتقول : "انْتَهَى الْحَدِيثُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلـم ، وَإِلَى أَبَوَيَّ لَا يَذْكُرُونَ لِي مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كثيرا، إِلَّا أَنى قَدْ أَنْكَرْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ  بَعْضَ لُطْفِهِ بِي، كُنْتُ إذَا اشْتَكَيْتُ رَحِمَنِي، وَلَطَفَ بِي، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِي فِي شَكْوَايَ تِلْكَ، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، كَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي أُمِّي تُمَرِّضُنِي قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ، لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ" سيرة ابن هشام (2/ 299)، وأصلها في البخاري (ح:4141)، ومسلم (ح: 2770)، أيام عصيبة مرت على النبي  صلى الله عليه وسلـم  وعلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنـها رغم صغر سنها فلم تتجاوز السادسة عشر من عمرها آنذاك لم تهدأ ولم تسكن جراحها إلا مع نزول آيات البراءة، حيث قال الله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ( [النور : 11]، أمر النبي  صلى الله عليه وسلـم  "بِمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانُوا مِمَّنْ أَفْصَحَ بِالْفَاحِشَةِ، فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ" سيرة بن هشام (2/302)، وهكذا أعلى الله قدر أم المؤمنين رضي الله عنهـا ورفع مكانتها بين الناس بما أنزله في حقها من قرآن، وكان مما أنشده حسان رضي الله عنـه بعد تبرئتها قوله:

حصان رزان مَا تزن بريبة *** وتصبح غرثى من لُحُوم الغوافل

عقيلة حَيّ من لؤَي بن غَالب *** كرام المساعي مجدهم غير زائل

مهذبة قد طيب الله خيمها *** وطهرها من كل سوء وباطل  (المقتفى من سيرة المصطفى 157)

ولما علم أبو بكر رضي الله عنـه بما فعله مسطح، عزم على عدم الإنفاق عليه أو نفعه بشيء أبدًا كما كان يفعل سابقا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ )وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ( [النور: 22]. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنـه : "بَلَى وَاَللَّهِ، إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَّعَ إلَى مِسْطَحٍ نَفَقَتَهُ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا" سير ابن هشام (2/304). وهكذا الأحداث في هذه الغزوة تؤكد أن الإبتلاء سنة إلهية مع أنبياء الله وأوليائه والمؤمنين ، وربما من أشده الإبتلاء بالمنافقين، والذين في قلوبهم مرض فهذا من أعظم البلاء الذي ينبغي على الأمة أن تتيقظ له، فلا تسمح لهم بإحداث البلبلة بين صفوف المسلمين فضلًا عن شق الصف وتفريق المجتمع، أو إشغال الأمة في أمور هامشية ثانوية لا تجني من ورائها إلا السقوط في الوحل، والانحراف عن الجادة والطريق الصحيح، نسأل الله تعالى أن يجبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يكفينا شر المنافقين والكافرين، وجميع أعداء الدين وأن يصرف عنا مكر الماكرين، ويجعل كيدهم في نحورهم ويفشل مخططاتهم ويخالف بين قلوبهم اللهم اجعل الدائرة عليهم اللهم  انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا هداة مهتدين مفاتيح خير مباركين أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :