خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
9910756
زوار الشهر :
207633
زوار اليوم :
3263


السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(58)

غزوة الخندق (2)   في 16-5-1439هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمـدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله و أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه   صلى الله عليه وسلـم  ،فالمسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج ، و سلامة المنهج باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا لتتبع سيرة حبيبنا و أسوتنا وقدوتنا ونبينا محمـد صلى الله عليه وسلـم  ، والوقوف على دروسها وعبرها،وكنا قد بدأنا الحديث عن غزوة الخندق التي كانت في شوال من العام الخامس الهجري وكان النبي  صلى الله عليه وسلـم  قد سارع وأصحابه لتأمين الجبهة الداخلية بعد حفر الخندق وصد كل محاولات العبور من المشركين للخندق حائلا بين الجيشين فلم يجر بينهما قتال مباشر ولإن كان النبي  صلى الله عليه وسلـم  مع أصحابه قاموا بالتدابير اللازمة للدفاع عن المدينة من خطر الأحزاب الداهم ورد شرهم عن المسلمين إلا إن سنة الله ماضية فلا نصر إلا بعد شدة ولا منحة إلا بعد محنة وكلما اقترب النصر زاد البلاء والإمتحان هكذا سنن الله الكونية وهكذا آيات الله القرآنية، تنطق بمثل هذا المعنى وهذا ما قع لجيش المسلمين حينها فزادت محنتهم وخانهم حليفهم واشتد مكر عدوهم بهم فما الذي جرى يا ترى، وقد وصل لمسامع النبي  صلى الله عليه وسلـم  أن يهود بني قريظة الذين كانوا يقطنون جنوب المدينة نقضوا عهدهم معه، وتحزبوا مع أحزاب الكفر؛ لقتال النبي  صلى الله عليه وسلـم  وأصحابه، وإن صح الخبر فهو نبأ خطير؛ إذ يضع المسلمين بين يهود غادرين من خلفهم داخل المدينة ، وأحزاب الكفر مجتمعين من أمامهم خلف الخندق ، وتأملوا تأملوا تلك الحال العصيبة وكيف تعامل معها النبي  صلى الله عليه وسلـم  خاصة عندما وصله هذا الخبر الخطير في ظروف عصيبة جدا، إذ انتدب الزبيرَ بن العوام رضي الله عنـه ليأتيه بنبأ القوم، وبتثبت من صحة الخبر وبسرية تامة، فذهب الزبير رضي الله عنـه فنظر ثم رجع فقال: "يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتهمْ يُصْلِحُونَ حُصُونَهُمْ وَيُدْرِبُونَ طُرُقَهُمْ (يسهلون طرقهم من أجل السير إلى المسلمين)، وَقَدْ جَمَعُوا مَاشِيَتَهُمْ" مغازي الواقدي (2/457). ولم يكتف  صلى الله عليه وسلـم  بخبر الزبير و إن كثرت عنده القرائن على غدرهم لكنه  صلى الله عليه وسلـم  بعث مرة أخرى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، ومعهما عبد الله بن رواحة، وخوَّات بن جبير رضي الله عنـهم ، فقال: ((انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا، أَحَقٌّ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ القوم أم لا؟ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا أَعْرِفُهُ، وَلَا تَفُتُّوا فِي أَعْضَادِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْهَرُوا بِهِ لِلنَّاسِ) ). بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه بحنكته وحكمته (( فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا أَعْرِفُهُ، وَلَا تَفُتُّوا فِي أَعْضَادِ النَّاسِ )) إنه درس نبوي عظيم للمشوشين والمهوشين بنقل الأخبار اليوم وإشاعتها وبثها عبر كل وسيلة دون مراعاة أثناء الشدائد والأزمات للناس ولا لنفسياتهم ولا للفت في عضد المجتمع وتماسكه وثباته أمام سيل عارم من الإشاعات والقيل والقال ومكر الأعداء لبلادنا لإضعاف الهمم وتخويف الناس فإن ما يشهده العالم الإسلامي اليوم باستخدام وسائل التواصل ووسائل الإعلام بكثرة القيل والقال والإشاعات ، لاشك أن خلفه من خلفه ممن يريد الإسلام وأهله هكذا كان المنهج النبوي عليه الصلاة والسلام درس عظيم لنا عند الشدائد والأزمات اسمعوه وهو يوصي أصحابه هذه الوصية العظيمة هذه الحكمة العظيمة التي والله نحن أحوج ما نكون لها اليوم  (( فَإِنْ كَانَ حَقًّا)) أي إن كان غدر بني قريظة حقا ((فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا أَعْرِفُهُ )) أي لاتصرحوا بالخبر وإنما وروا بتورية أفهمها ((وَلَا تَفُتُّوا فِي أَعْضَادِ النَّاسِ )) نعم   فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، فيما نالوا هذا يؤثر في المجتمع ويؤثر في الناس ويؤثر في الجيش وجنود الجيش ((وإن كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْهَرُوا بِهِ لِلنَّاسِ) ) باختصار معاشر المسلمين معنى كلام حبيبنا وأسوتنا انشروا الخير والإيجابيات وكل ما يثبت المجتمع ويزيد تماسكه واحذروا من كل ما يفت بعضد الناس ويخوفهم فهل سمعنا لوصية حبيبنا هلا استجبنا هلا استجبنا لمن أنزل الله تعالى عليه الوحي، خرج الوفد الأربعة من الصحابة لبني قريظة للتثبت فأتوا هم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم فيما نالوا من رسول الله  صلى الله عليه وسلـم ، وقالوا: مَن رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد... فأقبل الصحابة إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلـم ، فسلَّموا عليه، ثم قالوا: عَضَلُ وَالْقَارَةُ، أي: كغدر قبيلتي عضل والقارة بأصحاب الرجيع، خُبَيب وأصحابه، فقال  صلى الله عليه وسلـم: رافعا صوته ((اللَّهُ أَكْبَرُ، أَبْشِرُوا مَعاشرَ الْمُسْلِمِينَ)) ((اللَّهُ أَكْبَرُ، أَبْشِرُوا مَعاشرَ الْمُسْلِمِينَ))انظر: سيرة ابن هشام (2/221، 222). وما أعظم الحبيب  صلى الله عليه وسلـم  حريص على معنويات الناس  و معنويات أجناده فقد طلب أولا من رسله ألا يصرحوا بغدر القوم، وأن يستخدموا التورية؛ تجنبًا للتأثير السلبي على معنويات المسلمين، ثم ثالثا يستقبل صلى الله عليه وسلـم نبأ غدر يهود بني قريظة بثبات وتحفيز، فيرفع صوته بالتكبير، ثقة بالله ويقينا بنصر الله ، مهما اشتدت الأزمات والظروف تبشير رغم اشتداد المحنة، حقا

لا يُدْرِكُ المجْدَ إلَّا سَيِّدٌ فَطِنٌ.... لِمَا يَشُقُّ على السَّادَاتِ فَعَّال

أما غدر اليهود، ونقضهم العهود، فليس غريبًا عليهم، فمسلكهم مع المعاهدات قديمًا وحديثًا لا يتغير، وهم فيه لا يَدعون خستهم أبدًا، فالمواثيق معتبرة فقط ما بقيت متمشية مع أطماعهم ومكاسبهم، والغدر المتأصلة في نفوس اليهود، هو الذي يشهد به التاريخ والأحداث فقد همت بنو قريظة أن يُغِيروا على المدينة ليلًا، وبعث اليهودي حُيَيّ بْنَ أَخْطَبَ إلى قريش أن يأتيه منهم ألف رجل، ومن غطفان ألف، فيغيروا بهم، فجاء الخبر بذلك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلـم فعظم البلاء، فبعث سلمة بن أسلم في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويُظهرون التكبير، ومعهم خيل المسلمين، فإذا أصبحوا أمنوا، وكان الخوف على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من الخوف من قريش وغطفانانظر: مغازي الواقدي(2/460) وإمتاع الأسماع (1/233). في هذه الأثناء كانت محنة المسلمين تزداد، والحصار عليهم يشتد، مع انضمام بني قريظة للأحزاب ،إذا عدو  خلف الخندق أحزاب تجمعت وعدو داخل المدينة ،من خلفهم غدر يهود بني قريظة ثم المنافقون وتسللهم لواذا ثم الريح والبرد الشديد ثم قلة السلاح والعتاد  ثم قلة الطعام والشراب  ثم الخوف الشديد ، كل هذه بلاءات اجتمعت على المسلمين في تلك الغزوة ، تلك الغزوة العجيبة التي هي والله درس عظيم للمسلمين في كل زمان ومكان ، اسمعوا القرآن يصور تلك الحالة التي كانوا عليها، بقول الحق عز وجل : )إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا( [الأحزاب: 10- 11]، ومع هذه الأوضاع العصيبة المخيفة الرهيبة التي تحيط بالمسلمين، فإن القرآن الكريم يسجل ثبات المؤمنين، وثقتهم بربهم، وحسن ظنهم بوعده، بقول الحق عز وجل كما جاء في سورة الأحزاب )وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ( [الأحزاب: 22]، هكذا المسلم الحق إذا اشتدت المحن تمايزت الصفوف، وبزع نجم النفاق، وكما قيل: الشدائد منقيات،

فجَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ ... وَإِنْ كَانَتْ تُغَصِّصُنِي بِرِيقِي
وَمَا شُكْرِي لَهَا حَمْدًا وَلَكِنْ ... عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي

فقد انكشف أيضا المنافقون داخل المدينة، وظهرت خبيئة نفوسهم الخبيثة، وأظهروا ما كانوا يبطنون من العدواة لرسول الله صلى الله عليه وسلـم وللإسلام وللمسلمين، وسجل القرآن الكريم خستهم وغدرهم ليبقى درسا للمؤمنين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لقد انسحبوا من الجيش، وخذلوا المسلمين في وقت هم أشد فيه إلى التقوية قال الله عز وجل  :  )وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَامُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ( [الأحزاب: 13 - 15] يالله ما أعظم القرآن ودروسه وما أشد غفلة المسلمين اليوم والأحداث تتوالى عليهم عنها وعن الرجوع لها هكذا فالقرآن الكريم يصور بأبلغ عبارة ما يصنع النفاق في قلوب أصحابه، من القلق في النفوس، والجبن في القلوب، وانعدام الثقة بالله، وعدم مراعاة عهد الإيمان الذي بين أهله وبين ربهم،بل هم لصفوف الكفر أقرب ، مع الأعداء أقرب مع الإعتذار بالحجج الواهيات؛ للهرب الدال على ضعف المعتقد؛ مع هذه الشدائد التي وقعت للنبي  صلى الله عليه وسلـم   ومن معه للمسلمين ، حاول المشركون اقتحام الخندق مرات وكرات ، لكن الصحابة تصدوا لمحاولاتهم ببسالة ، وكان مع المشركين رماة يقدمونهم إذا غدوا، متفرقين أو مجتمعين بين أيديهم،  فتناوشوا بالنبل ساعة، فرمى حِبَّانُ بن العَرقَةِ سعدَ بن معاذ بسهم فأصاب أكْحَلَه (عرق في وسط الذراع) وقال: خذها وأنا ابن العراقة! فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلـم: ((عرَّق اللَّه وَجْهَه فِي النَّارِ)) انظر: إمتاع الأسماع (1/235، 236). ودعا سعد رضي الله عنـه فقال: "اللهُمَّ، إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ صلى الله عليه وسلـم ، وَأَخْرَجُوهُ، اللهُمَّ، فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْءٌ، فَأَبْقِنِي أُجَاهِدْهُمْ فِيكَ" مسلم (1769). فاستجاب الله دعوته. وأما رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  لما رأى حال أصحابه مع هذه الشدة التي زاغت فيها الأبصار، وبلغت فيها القلوب الحناجر، وتلاعبت فيها الظنون بالنفوس، فقد أظهر  صلى الله عليه وسلـم  براعة القائد صلى الله عليه وسلـم ، وحنكته، فحاول أن يُفرق اجتماع تلك الأحزاب، فهو يعلم ما كانت قوتهم إلا في اجتماعهم وتعاضدهم، وكان صلى الله عليه وسلـم خبيرًا بعدوه، عارفًا بطبيعة كل طرف ، فالحرب ليست فقط سلاح فإذا كان للسيف وقته، فللسياسة وقتها، وكما تلعب الحرب في السياسة دورها، فكذلك تلعب السياسة في الحرب دورها، فأرسل صلى الله عليه وسلـم في طلب قائدي غطفان عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، والْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ فلما حضرا عنده قال: ((أَرَأَيْت إنْ جَعَلْت لَكُمْ ثُلُثَ تَمْرِ الْمَدِينَةِ تَرْجِعَانِ بِمَنْ مَعَكُمْ وَتُخَذّلَانِ بَيْنَ الْأَعْرَابِ؟)) قالا: تعطينا نصف تمر المدينة. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلـم أن يزيدهما على الثلث، فرضيا بذلك. انظر: مغازي الواقدي (2/477). وكان اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلـم الغطفانين؛ لعلمه بجشعهم وأنهم ما خرجوا إلا طلبًا للمال، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يستميلهم به، وأن يرد شرهم عن المسلمين، وأن يفت في عضد تلك الأحزاب المجتمعة حين يرون من يتفرق عنهم. فلما أراد صلى الله عليه وسلـم أن يفعل ذلك، بعث إلى السَّعدين (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) سيدا الأنصار، فذكر لهما ذلك، واستشارهما فيه، فلما علما أن الأمر ليس وحيًا، وإنما هو من أمر الحرب، كان رأيهما في عدم إعطاء غطفان من ثمار المدينة، فنزل النبي صلى الله عليه وسلـم على رغبتهما. انظر: البداية والنهاية (6/40). وهذا أيضا من حنكته وحكمته صلوات الله وسلامه عليه التشاور والتسليم للرأي الأنفع،  إن لم يكن وحيا ، ويعلم  صلى الله عليه وسلـم  أن سيدا الأنصار أعلم بأمور قومهما ،فقد حاول بحنكته السياسية أن يفتت اجتماع تلك الأحزاب، وأن يفرقهم، لكن الله عز وجل أراد أن يقوم بهذا الدور العظيم  رجل يقال له نُعَيم بن مسعود إذ يأتي النبي صلى الله عليه وسلـم فيقول: " يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَإِنَّ قَوْمِي لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتُ. فقال عليه الصلاة والسلام : ((إِنَّمَا أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَخَذِّلْ عَنَّا إِنِ اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ))" البداية والنهاية (6/59). " فذهب من فوره ذلك إلى بني قريظة، وكان عشيرًا لهم في الجاهلية، فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال: يا بني قريظة إنكم قد حاربتم محمدًا، وإن قريشًا إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين وتركوكم ومحمدًا، فانتقم منكم، قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم مضى على وجهه إلى قريش، فقال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم، قالوا: نعم. قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يمالؤونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك، فلما كان ليلة السبت من شوال بعثوا إلى اليهود: إنا لسنا بأرض مقام، وقد هلك الْكُرَاعُ (الخيل) وَالْخُفّ، فانهضوا بنا حتى نناجز محمدًا، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش: صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى يهود، إنا والله لا نرسل إليكم أحدًا، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمدًا، فقالت قريظة: صدقكم والله نعيم، فتخاذل الفريقان" زاد المعاد (3/245).سبحان الله شاءت قدرته أن يسلم نعيم بن مسعود في تلك اللحظات الحرجة وليس أي رجل بل رجل بألف رجل بشجاعته وحسن تدبيره وتفكيره،  فقد استطاع رضي الله عنـه وحده أن يزرع الشك بين تلك الأحزاب التي تمالأت على المسلمين؛ وأن يفرَّق كلمتهم، وأن يبعثر اتفاقهم، )وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ( [المدثر: 31]  فهذا موقف يؤكد أن الله ينصر الدين برجل واحد فلم يتصاغر نعيم دوره بل بذل ما يستطيع فكان الخير للمسلمين ،  ففي الصحيحين أن رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  "دَعَا يَوْمَ الأَحْزَابِ عَلَى المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، اللَّهُمَّ اهْزِمِ الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ))". البخاري (2933)، ومسلم (1742). وقد امتن الله على عباده، واستجاب دعاء نبيه صلى الله عليه وسلـم ، كما يقول عز وجل : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا( [الأحزاب: 9] يقول ابن القيم رحمه الله : "أرسل الله على المشركين جندًا من الريح، فجعلت تُقَوِّضُ وتقتلع خيامهم، ولا تدع لهم قِدْرًا إلا كفأتها، ولا طُنُبًا (الحبال) إلا قلعته، ولا يقر لهم قرارٌ، وجند الله من الملائكة يزلزلونهم، ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلـم حذيفة بن اليمان يأتيه بخبر القوم ، فوجدهم على هذه الحال، وقد تهيئوا للرحيل، فرجع إلى رسول الله فأخبره برحيل القوم، فأصبح صلى الله عليه وسلـم ، وقد رد الله عدوه بغيظه لم ينالوا خيرًا، وكفاه الله قتالهم " زاد المعاد (3/245). وكان صلى الله عليه وسلـم يقول: ((لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلاَ شَيْءَ بَعْدَهُ)) البخاري (4114)، ومسلم (2724). أيها المسلمون: "إن هذه المعاني العظيمة من اليقين بالله ونصره ومن أثر الإيمان ، لا تقللواىمن فعل الأسباب أو تجهيز العدة والعتاد أو الأخذ بأسباب القوة ، لكن ليعلم المسلم أنَّ صدق الالتجاء إلى الله، وإخلاص العبودية له،والثقة بيقينه في مقدمة أسباب النصر المختلفة،وبنصر الله الذي حصل للمسلمين على تلك الأحزاب، وبجلائهم عن المدينة، وقف النبي صلى الله عليه وسلـم يقول: ((الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ يَغْزُونَنَا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ)) البخاري (4109). أي بعد هذة الغزوة نحن اللذين نغزوهم نعم، فقد كانت هذه الغزوة فاصلة مؤسسة لمرحلة جديدة أعلنها  صلى الله عليه وسلـم  فقد حان  استئصال شأفة المشركين وإنهاء وجودهم،فلم يكن رسول صلى الله عليه وسلـم - بعد جلاء الأحزاب- ليسمح بوجود من خانوا عهده معه، وغدروا به من بني قريظة في المدينة فأعد صلى الله عليه وسلـم العُدَّة لمواجهة أولئك الخونة فلم يسمح لأصحابه بالتريث أو حتى ليستردوا أنفاسهم بعد هذه الأيام العصيبة فما زال الخطر،  فأمرهم مباشرة بألا يضعوا السلاح ولا يصلي أحد منهم العصر غلا في بني قريظة وسنعرف الحدث وتفاصيله بمشيئة الله في خطبة قادمة ، نسأل الله جل جلالـه أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد، وأن ينصر جنده ودينه وسنة نبيه  صلى الله عليه وسلـم  ، اللهم احفظ بلادنا وجندنا وولاة أمرنا وعلمائنا ومجتمعنا اللهم احفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين اللهم عليك بأعداء الدين واجعل مكرهم وتدبيرهم عليهم يا قوي يا عزيز أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .





طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :