صُلح الحديبية(2) - سيرة63




خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
10899435
زوار الشهر :
134574
زوار اليوم :
1429


السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(63)

( ​صُلح الحديبية(2) الخطبة بتاريخ 28-6-1439هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه صلى الله عليه وسلـم ، فالمسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج والذي لن يكون إلا باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا والله في واقعنا لتتبع سيرة نبينا محمـد صلى الله عليه وسلـم ، والوقوف على دروسها وعبرها، فهي الميزان الأكبر للمسلم لقياس تصرفاته وأفعاله وقربه وبعده من منهج الحبيب عليه الصلاة والسلام . وها الخطبة الثالثة والستون من سلسلة خطب السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة ، ولا زال حديثنا متصلًا حول ما جرى في الحديبية، وكنا توقفنا عندما بايع الصحابة رضي الله عنـهم رسول الله صلى الله عليه وسلـم  بعد تأخر عثمان رضي الله عنـه  في الرجوع إليه، فعلي أي شيئ بايعوه؟ لقد بايع الصحابة رضي الله عنهـم رسولَ الله صلى الله عليه وسلـم  على الموت. البخاري (4169). وفي رواية للبخاري أن بيعتهم كانت على الصبر. البخاري (2958). وفي رواية لمسلم أن البيعة كانت على عدم الفرار. مسلم (1856). ولا تعارض بين الروايات؛ فإن المبايعة على الموت تعني الصبر، وعدم الفرار. وقد تحدث القرآن عن أهل هذه البيعة المباركة، وهم الذين نزل فيهم قوله سبحانه وتعالى  ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 10] قال ابن جرير: " يقول تعالى ذكره لنبيه محمـد صلى الله عليه وسلـم :{إن الذين يبايعونك} [الفتح: 10] بالحديبية من أصحابك على أن لا يفروا عند لقاء العدو، ولا يولوهم الأدبار {إنما يبايعون الله}[الفتح: 10] يقول: إنما يبايعون ببيعتهم لك يبايعون الله ، لأن الله ضمن لهم الجنة؛ بوفائهم له بذلك" تفسير الطبري (21/254). وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلـم في أهل تلك البيعة المباركة: ((أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ)). مسلم (1856). ولئن كان عثمان رضي الله عنـه غائبًا عن تلك البيعة ، فيكفيه شرفا أن النبي صلى الله عليه وسلـم بايع عنه فوضع يده اليمنى وقال :((هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ)) البخاري (4066). فأي منقبة لذي النورين رضي الله عنـه أعظم من تلك المنقبة!

وكَفُّ أحمدَ قدْ نابتْ مبايعةً *** عن كفِّهِ فَغَدَتْ يُمْنَاهُ عثمانًا

وببلوغ أمر هذه البيعة المباركة مسامع قريش أدرك زعماؤها ثبات أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلـم  وعزمهم على مجابهتهم، فأرسلوا سهيل بن عمرو مفاوضًا، فاستبشر به النبي  صلى الله عليه وسلـم  وقال: ((سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ)) البخاري (2731). وبعودة عثمان رضي الله عنـه  بدأت المفاوضات بين سهيل وبين النبي  صلى الله عليه وسلـم ، واستعرض الفريقان النقاط التي يجب أن تتضمنها معاهدة الصلح، وكان النبي  صلى الله عليه وسلـم  لينًا سهلًا بعيد النظر في تفاوضه مع سهيل، حتى أمر بمحو ما اعترض عليه سهيل في صيغ المعاهدة، فجعل باسمك اللهم، بدل بسم الله الرحمن الرحيـم، ومحمـد بن عبد الله بدل محمـد رسول الله، البخاري (2731). رغم ما ظهر على الصحابة من كراهية ذلك، وما كان ذلك منه  صلى الله عليه وسلـم  إلا تصديقًا لقولته: ((لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)) البخاري (2731). وتم الصلح بين النبي  صلى الله عليه وسلـم  وبين سهيل بن عمرو على"وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَتَى رَسُولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلـم  مِنْ أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَى قُرَيْشًا مِمَّنْ مَعَ رَسُولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلـم  لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً (يعني: صدور سليمة تحفظ العهد)، وَإِنَّهُ لَا إِسْلَالَ(سرقة) وَلَا إِغْلَالَ(خيانة). مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ محمـد وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، وَأَنَّكَ تَرْجِعُ عَنَّا عَامَنَا هَذَا، فَلَا تَدْخُلْ عَلَيْنَا مَكَّةَ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ، خَرَجْنَا عَنْكَ، فَتَدْخُلُهَا بِأَصْحَابِكَ، وَأَقَمْتَ فِيهِمْ ثَلَاثًا مَعَكَ سِلَاحُ الرَّاكِبِ لَا تَدْخُلْهَا بِغَيْرِ السُّيُوفِ فِي الْقُرُبِ" أحمد (18910) وحسن إسناده الأرنؤوط. عباد الله: إن هذه المفاوضات التي أجراها النبي  صلى الله عليه وسلـم  مع سهيل تمثل نموذجًا فريدًا للتفاوض الناجح، ولم يكن المسلمون وقتها ينطلقون من موقف ضعف، وإنما أراد النبي  صلى الله عليه وسلـم  حقن الدماء، وإحلال السلام، وأن يعقل القوم الحق، إنها معاهدة تمثل طورًا جديدًا في الانتشار، والاتصال بالناس، فالحرب موضوعة، والناس آمنون، كافون عن بعضهم، ثم ها هي قريش المتكبرة المتغطرسة تقر بكيان الدولة المسلمة، وتعقد الصلح معها؛ لتأمنها بعد ما كانت تخطط لاستئصالها، وقد شق على بعض الصحابة بعض هذه البنود، ومما زاد محنتهم أن صاحبهم أبا جندل بن سهيل بن عمرو قدم على النبي  صلى الله عليه وسلـم  من مكة في قيوده، فأبى سهيلٌ إلا رده، وحاول النبي  صلى الله عليه وسلـم  أن يقنع سهيل بترك أبي جندل، لكنه أبى أشد الإيباء فحينها قال النبي  صلى الله عليه وسلـم  لأبي جندل: ((يَا أَبَا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللهَ  عَزَّ وَجَل  جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، فَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَوْنَا عَلَيْهِ عَهْدًا، وَإِنَّا لَنْ نَغْدِرَ بِهِمْ)) أحمد (18910) وحسن إسناده الأرنؤوط. إن في كلماته عليه الصلاة والسلام في كلماته هذه دلالة على حرصه وتمسكه بقيمة الوفاء بالعهد مهما كانت نتائجه وعواقبه فيما يبدو للناس، وكيف لا؟ وهو  صلى الله عليه وسلـم  من جاء ليتتم مكارم الأخلاق! وقد قيل: في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق. وقديما قال الشاعر:

ولقد دعتني للخلاف عشيرتي *** فأبيت عند تجهّر الأقوال

إني امرؤٌ مني الوفاء خليقةٌ *** وفعال كلّ مهذَّبٍ بذّال

ولقد بلغت المحنة بالصحابة مبلغًا عظيمًا حتى ذهب الفاروق عمر  رضي الله عنـه  للنبي  صلى الله عليه وسلـم  يقول:" أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: ((بَلَى))، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ، وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: ((بَلَى))، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: ((إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي))" البخاري (2731). فأتى عمر أبا بكر فأعاد عليه الكلام فأجابه بمثل جواب رسول الله  صلى الله عليه وسلـم ، ولما أمضى النبي  صلى الله عليه وسلـم  المعاهدة أمر الصحابة  رضي الله عنهـم  أن يقوموا بالحلق والنحر، فلم يقم منهم أحد؛ لشدة ما هم فيه، وهنا أشارت أم سلمة رضي الله عنـها على النبي  صلى الله عليه وسلـم  أن يقوم فيحلق وينحر، "فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا" البخاري (2731). فكان رأي أم سلمة رأيًا سديدًا، وكانت مشورتها مشورة مباركة، ونزل سيد الخلق  صلى الله عليه وسلـم  على مشورة امرأة، فأي تكريم للمرأة قدمه الإسلام؟! وأي مكانة لها حفظها هذا الدين العظيم؟ لقد جعلها درة ثمينة، ولؤلؤة مصونة، ولله در الشاعر إذ يقول:

يا دُرَّةً حُفِّظَت بِالأَمْسِ غَالِيَةً  ***  وَاليَوْمَ يَبْغُونَهَا لِلِهَوِ وَالَلَعِبِ

يا حُرَّةً قَدْ أَرَادُوا جَعْلَهَا أَمَةً  ***  غَرِيْبَةَ اْلعَقْلِ غَرِيْبَةَ اْلنَسَبِ

هَلْ يَسْتَوِي مَنْ رَسُوْلُ اللهِ قَائِدَهُ دَوْماً  ***  وَآَخَرَ هَادِيْهِ أَبُو لَهَبِ؟؟

وَأَيْنَ مَنْ كَانَت اْلزَهْرَاءِ أُسْوَتَهَا  ***  مِمَنْ تَقَفَتْ خُطَى حَمَّالَةِ اْلحَطَبِ

فَلا تُبَالِي بِمَا يُلْقُونَ مِن شُبَهٍ  ***  وَعِنْدَكِ اْلشَرْعُ إن تَدْعِيهِ يَسْتَجِبِ

وانصرف النبي  صلى الله عليه وسلـم  من الحديبية قاصدًا المدينة، وأنزل الله عليه سورة الفتح التي حملت البشرى للمؤمنين حتى قال عنها النبي  صلى الله عليه وسلـم : ((لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح: 1])) البخاري (4177). وقد أدرك المسلمون عظيم جميل الله عليهم بهذا الفتح، حتى قال الإمام الزهري: "فما فُتح في الإسلام فتحٌ قبله كان أعظم منه، إنما كان القتالُ حيث التقى الناس، فلمَّا كانت الهدنة، ووُضعت الحربُ، وآمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر". سيرة ابن هشام (2/322). وقد عقب ابن هشام في سيرته على قول الزهري فقال: "والدليل على قول الزهري أن رسول الله  صلى الله عليه وسلـم خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مائة، في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف رجل" سبحانك ربي ما أعظم فضلك! سبحان الله ما أجزل عطاياه! يزداد المسلمون خمسة أضعاف في عامين ببركة هذا الصلح الذي كان حقا فتح مبين ونصر كبير لهذا الدين. إنه فضل الله على المسلمين ، فإن الله يسمع ويرى وهو معكم أينما كنتم ، فمهما كانت الآلام ، مهما اشتدت المحن مهما تودّع المسلمون وكثر فيهم الأزمات ، عليهم أن لا ييأسوا من رَوْح الله ، مادام يبذلون المستطاع فليس الميزان هي الدنيا وزهرتها فهي لا تساوي عند الله جناح بعوضة فالله تعالى يقول :{ وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}[العنكبوت:64] . إنها تلك الحياة الآخرة هي الحياة لو كانوا يعلمون ، هي الحياة الحقيقية الحياة الأبدية للمسلم ، فمهما أصابك يا عبد الله ، مهما توجّع مسلم ، نعم نتألم ونتوجّع ونبذل الأسباب ونرفع الأكفّ بالذراعة والدعاء ، لكنا على ثقة ويقين بوعد نصر الله رب العالمين . الله انصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، اللهم اقهر اليهود والمنافقين وأعداءك أعداء الدين  ، اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين ، اللهم ألف بين قلوبنا ووفق ولاة أمرنا وعلماءنا ، اللهم وحد صفنا وكلمتنا وثبت أقدامنا وانصر جندنا ورجال أمننا ، اللهم زدنا إيمانا وأمانا وبركة وعلما نافعا وعملا صالحا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين ، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :