خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
10689672
زوار الشهر :
178906
زوار اليوم :
4642


السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(69)

​صُلح فدك وغزوة وادي القرى تاريخ الخطبة 25-8-1439هـ

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أفضل صلاة وأزكى تسليم. أما بعد: معاشر المؤمنين! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه   صلى الله عليه وسلـم  ؛ المسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج وسلامة المنهج باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا لتتبع سيرة نبينا محمد   صلى الله عليه وسلـم  ، والوقوف على دروسها وعبرها. وهذه الخطبة التاسعة والستون من سلسلة خطب السيرة النبوية وواقعنا المعاصر. وكان حديثنا السابق عن غزوة خيبر الفاصلة بين الحق والباطل والتي أظهر الله فيها نبيه على اليهود والمنافقين رغم قلة العتاد والمقاتلين والتي كانت في صفر سنة سبع . ونتناول أخبار أهل فَدَك ووادي القُرَى وتَيْمَاء، فإنه لما أكرم الله سبحانه وتعالى نبيه  صلى الله عليه وسلـم  ، وأنعم عليه بفتح خيبر، وانتشر الخبر بين القبائل المجاورة؛ دبَّ الرعب في قلوب اليهود المجاورين لها، ومنهم أهل فَدَك أقرب الناس إلى خيبر، "فبَعثُوا إلى رسولِ اللَّهِ   صلى الله عليه وسلـم   يُصالِحُونَهُ على النِّصفِ من فدك، فقدمت عليهِ رسُلُهم بخيبر، فقبِلَ ذلكَ منهم، فكانتْ فدكُ لرسُولِ اللَّهِ   صلى الله عليه وسلـم   خالصَةً، لأنَّهُ لمْ يُوجَفْ (يجتمع) عليهَا بخيلٍ ولا ركابٍ" سيرة ابن هشام (2/353)، ثم انصرف النبي   صلى الله عليه وسلـم   يريد وادي القُرَى، وقد كانت محطًّا لنزول يهود بني قينقاع فيها؛ حيث "أقاموا فيها شهرًا، وَحمَلت يَهُودُ وَادِي الْقُرَى مَنْ كَانَ رَاجِلًا مِنْهُمْ، وَقَوّوْهُمْ" مغازي الواقدي (1/180)، فأراد النبي   صلى الله عليه وسلـم   أن يخرج إليهم بعد خيبر، لتتبع فلول اليهود الفارين إليهم، يقول أبو هريرة  رضي الله عنـه  -وكان ممن شهد تلك الأحداث- : "خَرَجْنَا مَعَ رسول الله   صلى الله عليه وسلـم   من خَيْبَرَ إلَى وَادِي الْقُرَى، وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجَذَامِيّ قَدْ وَهَبَ لِرَسُولِ اللهِ   صلى الله عليه وسلـم   عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ، وَكَانَ يُرَحّلُ لِرَسُولِ اللهِ   صلى الله عليه وسلـم   فَلَمّا نَزَلُوا بِوَادِي الْقُرَى انْتَهَيْنَا إلَى الْيَهُودِ وَقَدْ ضَوَى إلَيْهَا أُنَاسٌ مِنْ الْعَرَبِ، فَبَيْنَا مِدْعَمٌ يَحُطّ رَحْلَ النّبِيّ   صلى الله عليه وسلـم  ، وَقَدْ اسْتَقْبَلَتْنَا الْيَهُودُ بِالرّمْيِ حَيْثُ نَزَلْنَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى تَعْبِيَةٍ(تعبأة الجيش) وَهُمْ يَصِيحُونَ فِي آطَامِهِمْ، فَيُقْبِلُ سَهْمٌ عَائِرٌ (لا يُدرى راميه) فَأَصَابَ مِدْعَمًا فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النّاسُ: هَنِيئًا لَك الْجَنّةُ!، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ   صلى الله عليه وسلـم  : ((بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا))، فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ   صلى الله عليه وسلـم   بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ    صلى الله عليه وسلـم  : ((شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ))" مغازي الواقدي (2/710). وفي إنكاره   صلى الله عليه وسلـم   هذا بيانٌ وإعلامٌ للأمة بأسرها على تحريمه   صلى الله عليه وسلـم   للغلول، وبيان عاقبته الوخيمة يوم القيامة، قال تعالى: ) وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ( [آل عمران: 161]، فكل من يأخذ شيئًا بغير حله يأتي به وهو يحمله يوم القيامة، فالحذر الحذر من أكل الحرام، فإياكم وأكل الحرام! وما لا يحل لكم؛ حتى ولو كان شيئًا يسيرًا، قال تعالى: )وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ( [الأنبياء: 47]. أيها المؤمنون: كان النبي   صلى الله عليه وسلـم   لما توجه إلى وادي القرى، قد عبَّأ الجيش، وسلم اللواءات، ودفع الرايات، "ثُمّ دَعَاهُمْ –يعني: أهل وادي القرى- إلى الإسلام، وأخبرهم: إن أسلموا أحرزوا أموالَهمْ، وحقنُوا دماءهم، وحِسابهمْ على اللهِ" انظر: مغازي الواقدي (2/710)؛ ولكنهم كانوا أهل عناد واستكبار، فلم يقبلوا بغير الكفر والقتال، وكأنهم لم يعرفوا من القتال إلا فن المبارزات! أما المواجهة في الحرب أو القتال فلا يجترئون عليها، قال تعالى: )لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ([ الحشر :14]، وبالفعل بدأت المبارزات، فخرج " رجل منهم وبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه الزبير فقتله، ثم برز آخر فبرز له علي فقتله، ثم برز آخر فبرز له أبو دجانة فقتله، ثم برز آخر فبرز له أبو دجانة فقتله ؛ ... ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلي رَسُولُ اللهِ   صلى الله عليه وسلـم   بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوةً، وغَنّمهُ اللهُ أموَالَهُمْ، وأصابُوا أثَاثًا ومتاعًا كَثِيرًا" مغازي الواقدي (2/710، 711) ، ويُفهم من تكرار دعوة الرسول   صلى الله عليه وسلـم   لهم: عدم اليأس والقنوط من استجابة المدعوين، فالداعية الناجح هو الذي يستمر في دعوته دون يأس أو قنوط؛ بل عليه أن لا يَكَل ولا ويمل، فهو بمثابة الأجير عند رب العالمين، يقوم بواجب الدعوة، وأجره على الله، قال تعالى: )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( [آل عمران : 104]، فلما لم يجد النبي   صلى الله عليه وسلـم   علاجًا لعنادهم إلا السيف والمبارزة بارزهم، "وأَقَامَ رسول الله   صلى الله عليه وسلـم   بوادِي القُرَى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وتركَ النّخلَ والأَرضَ بأيدِي اليهودِ، وعامَلهم عليها" مغازي الواقدي (2/711). وما أن علم يهود تَيْمَاء بما حققه رسول الله   صلى الله عليه وسلـم   من انتصار على أهل خيبر وفَدَك ووادي القُرَى حتى أرسلوا إليه يعرضون عليه الصُلح، فماذا عساهم أن يفعلوا وقد قضى رسول الله   صلى الله عليه وسلـم   على مركز قوتهم، ونقطة تمركزهم في خيبر؟! فعلى الفور أرسلوا رسلهم لرسول الله   صلى الله عليه وسلـم  ؛ ليتصالحوا معه   صلى الله عليه وسلـم   على أن يترك لهم أرضهم وأموالهم ويدفعوا إليه الجزية، فوافق النبي   صلى الله عليه وسلـم   "وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر" عيون الأثر لابن سيد الناس (2/186)، فلما انتهى النبي   صلى الله عليه وسلـم   من تصالحه مع أهل وادي القُرَى وتَيْمَاء؛ انصرف راجعًا نحو المدينة، ولما أرخى الليل سدوله عليهم، وقد كانوا سائرين ببعض الطرق، أراد النبي   صلى الله عليه وسلـم   أن يرتاحوا قليلًا من مشقة السفر، ثم بحث عن رجل صالح يوقظه ويوقظهم لصلاة الفجر، فقال: ((مَنْ رَجُلٌ يَحْفَظُ عَلَيْنَا الْفَجْرَ لَعَلَّنَا نَنَامُ؟)). قَالَ بِلَالٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْفَظُهُ عَلَيْكَ. فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ   صلى الله عليه وسلـم  ، وَنَزَلَ النَّاسُ فَنَامُوا، وَقَامَ بِلَالٌ يُصَلِّي، فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ U أَنْ يُصَلِّيَ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إلَى بَعِيرِهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْفَجْرَ يَرْمُقُهُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَنَامَ، فَلَمْ يُوقِظْهُمْ إلَّا مَسُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ   صلى الله عليه وسلـم   أَوَّلَ أَصْحَابِهِ هَبَّ، فَقَالَ: ((مَاذَا صَنَعْتَ بِنَا يَا بِلَالُ؟)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ. قَالَ: ((صَدَقْتَ)). ثُمَّ اقْتَادَ رَسُولُ اللَّهِ   صلى الله عليه وسلـم   بَعِيرَهُ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ أَنَاخَ فَتَوَضَّأَ، وَتَوَضَّأَ النَّاسُ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ   صلى الله عليه وسلـم   بِالنَّاسِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((إذَا نَسِيتُمْ الصَّلَاةَ فَصَلُّوهَا إذَا ذَكَرْتُمُوهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: )وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي((([طه: 14] سيرة ابن هشام (2/340). وفي هذا تأكيد منه   صلى الله عليه وسلـم   على أهمية الصلاة عامة، وصلاة الفجر خاصة، فهي من أعظم الصلوات التي يؤديها العبد لله، ومع حرصه   صلى الله عليه وسلـم   على صلاة الفجر؛ لكنه لم يكن من أخلاقه أن يكثر من التعنيف أو التشديد على أحد من أصحابه؛ حتى إن بلالًا  رضي الله عنـه  يقول: "وفَرغَ رسول الله   صلى الله عليه وسلـم   فكان أَهْوَنَ لَائِمَةً مِنْ النّاسِ" مغازي الواقدي (2/711)، ولما أوشك رسول الله   صلى الله عليه وسلـم   على دخول المدينة مر بجبل أحد، فنظر إليه وهو يبتسم فقال: ((أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ، اللهُمّ إنّي أُحَرّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ!))، ثم انْتَهَى إلَى الْجُرُفِ (موضع قريب من المدينة) لَيْلًا، فَنَهَى رسول الله   صلى الله عليه وسلـم   أن يَطْرُقَ الرجلُ أهلهُ؛ فقال: ((لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ، وَلَا تَغْتَرُّوهُنَّ))، وَبَعَثَ رَاكِبًا إِلَى الْمَدِينَةِ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ النَّاسَ يَدْخُلُونَ بِالْغَدَاةِ مصنف عبد الرزاق (ح: 14016). وفي هذا أدب إسلامي رفيع يعلمنا النبي   صلى الله عليه وسلـم   إياه؛ إذ إنه   صلى الله عليه وسلـم   منع الدخول على النساء عند الرجوع من السفر ليلًا؛ لأنه قد يطلع منها على شيء ما فيستنكره منها من أمور الزينة ونحو ذلك، وقد وقع ذلك فعلًا لما خالف رجلٌ قول رسول الله   صلى الله عليه وسلـم   وذهب إلى أهله فرأى ما كره. انظر: السيرة النبوية لابن كثير (3/414)؛ و يُمكن في وقتنا أن يُعلم الإنسان أهله قبل قدومه عليهم بأي وسيلة كانت من الوسائل الاتصال الحديثة، فالمقصود ألا يبغتهم بحضوره ليلا أو نهارا. عباد الله: لعل بما ذكرناه في غزوة خيبر، وما تلاها من أحداث، يتأكد لدينا وتزداد قناعتنا أنه   صلى الله عليه وسلـم   لم يخرج لقتل أو تدمير أو إهلاك أحد من الناس؛ ولكنه أراد أن يؤمِّنَ الجزيرة العربية من الخيانات ومناطق القلق والاضطراب؛ خاصة خيبر، كما أراد بتلك الإجراءات والمصالحات ألا يدع لقريش فرصة للمؤامرة والحرب مرة أخرى؛ إذ أنهم لما علموا بما حققه   صلى الله عليه وسلـم   من نصر أصابهم الحزن والاكتئاب، وكذلك القبائل العربية المناصرة لقريش؛ قد أدهشها خبر هزيمة يهود خيبر ووادي القرى؛ مما جعلها تجنح إلى السلم والموادعة بعد أن أدركت عدم جدوى استمرارها في العداء. وكل ذلك فتح الباب واسعًا لنشر الإسلام في الجزيرة وخارجها بعد أن تعززت مكانة المسلمين، وصارت لهم منعة وقوة سياسية وعسكرية واقتصادية تخشاها الأمم المجاورة. فاللهم أعز دينك ،  اللهم انصر الاسلام وأعز المسلمين ، اللهم واقهر اليهود والمنافقين وأعداءك أعداء الدين ، اللهم واحفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين ، اللهم ألف بين قلوبنا ووفق ولاة أمرنا وعلمائنا ووحد صفنا وكلمتنا ، اللهم وثبت أقدامنا وانصر جندنا ورجال أمننا ، اللهم زدنا إيمانا وأمانا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :