خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
11492565
زوار الشهر :
167389
زوار اليوم :
4231


اليوم الوطني

وجهود الدولة في خدمة الإسلام وترسيخ الوسطية 

تاريخ الخطبة 11-1-1440هـ

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين . أما بعد : فاتقوا الله عباد الله
{وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}
[آل عمران:102]. روى الأصمعي (كما في المقاصد الحسنة): قالت الهند: ثلاث خصال في ثلاثة أصناف: الإبل تحن إلى أوطانها وإن كان عهدها بعيدًا، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدبا، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر منه نفعًا". وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول:"إذا أردت أن تعرف الرجل، فانظر كيف تحننه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه". ونحن إخوة الإيمان نعيش هذه الأيام مناسبة اليوم الوطني الثامن والثمانون ذكرى قيام المؤسسِ الملك  عبدالعزيز– يرحمه الله - بتوحيدِ هذه البلاد وبتبديلِ الفرقةِ والتناحرِ إلى وحدةٍ وتكامل ذلك الإنجاز الذي قاد البلاد إلى نماءٍ وتطورٍ وازدهارٍ في ظل عقيدةٍ، أساسُها كِتابُ اللهِ وسُنةَ نبيهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم. ودين الإسلام -كعادته في كل شأنه- لم يأت يوما بتغيير الطباع، ولذا وافق المسلم على حبه لوطنه، بل أمره بالدفاع عنه، وأن يفديه بماله وروحه إذا تطلَّب الأمر ذلك، فلا تعارض بين حب الوطن والحنين إليه وبين الانتماء للإسلام ، فالإسلام لا يغير انتماء معتنقيه إلى أرضهم وأوطانهم، بل حتى ولا إلى شعوبهم وقبائلهم، بل يُصحح هذه الأمور ويرشّدها عندما تخرج عن مسارها، أو تُفهم مفهومًا جاهليًّا خاطئًا. ألم يبق بلالاً حبشيًّا، وسلمان فارسيًّا، ولم يتضارب ذلك يومًا مع انتمائهما العظيم للإسلام. فيجد في قرارة نفسه وفي طبيعته أن له محبةً وولاءً وانتماءً لأسرته وأهله وأهل قريته ووطنه، كما يحس بانتمائه الكبير لأمته ، أمة الإسلام باتساعها وتلون أعراقها ولسانها. فلا تعارض إذاً بين هذه الانتماءات، بل هي دوائر يُكمل بعضها بعضًا، ويشد بعضها بعضًا. وإنما المذموم في حب الوطن في الإسلام هو تقديس الإنسان لوطنه إلى درجة يجعله ندًّا للدين، ووثنًا يُعبد من دون الله رب العالمين، فتُسخَّر له كل المبادئ التي عارضت الإسلام، ويعارَض بها جهلاً الثوابت والمسلمات، ويتعالى به على غيره، وينتقص غيره بسببه، ويتعصب له بالحق وبالباطل ، أما الاهتمام بالوطن والحب الطبيعي له فلا يُستغرب من أحد، بل وردت أمثلة من نصوص القرآن والسنة في ذلك. فحب الأرض قد اقترن بحب النفس كما في القرآن الكريم، قال الله عز وجل:{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اُقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ أَوْ اُخْرُجُوا مِنْ دِيَاركُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُمْ}[النساء:66]. واقترن في موضع آخر بالدين، فقال تعالى:{لَا يَنْهَاكُمْ اللَّه عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ}[الممتحنة:8]، وقد أوجب الله على المؤمنين الدفاع عن أوطانهم، وعُدّ الموت في سبيل ذلك شهامة، كما قال في قصة الملأ من بني إسرائيل:{قَاَلوُا وَمَاَ لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا}[البقرة: 246].وحكى الله سبحانه قول نبيه إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}[البقرة:126]، وقال أيضًا:{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}[إبراهيم: 36] ، 

عباد الله! ولما كان ترك الوطن أمرًا شديدًا وقاسيًا وبالغ الصعوبة على النفس فقد عُدَّ من فضائل المهاجرين ومن وجوه تفضيلهم على الأنصار أنهم فارقوا أوطانهم في سبيل الله. وقد كان الصحابة في المدينة يحنّون إلى مكة وجبالها وأوديتها وأشجارها, حتى دعا  صلى الله عليه وسلـم  ربَّه أن يحبِّبَ إليهم المدينة كحبِّهم مكة أو أشد، كما في الصحيحين وغيرهما، بل جاء في سنن الترمذي وغيره بإسناد صحيح أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ يقول: "وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ". قال العيني رحمه الله: "ابتلى الله نبيه بفراق الوطن". وفي صحيح البخاري ومسند أحمد وغيرهما عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَان الْمَدِينَةِ، أَوْضَعَ نَاقَتَهُ (أَيْ أَسْرَعَهَا)، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا» قال ابن حجر في شرح الحديث: "فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَعَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حُبِّ الْوَطَنِ وَالْحَنِينِ إِلَيْهِ". !

 إخوة الإيمان إن الله تعالى أنعم علينا في هذا الوطن بنعمة التوحيد وأنعم علينا بتوحيد هذه البلاد ، فتوحيد أطراف الجزيرة نعمة عظيمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها ، فتوحيد المملكة نعمة من الله بها على أهل هذه البلاد وعلى حجاج بيت الله الحرام القادمين من كل فج عميق ، وخدمة للحرمين الشريفين الذين يهوي إليهما أفئدة المسلمين ويحجون إلى بيت الله الحرام كل عام ملاين الحجاج من المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها . ومازالت بحمد الله هذه البلاد ومنذ عهد مؤسسها رحمه الله تقوم على خدمة الإسلام والمسلمين ونشر الإسلام الوسطي القائم على القرآن والسنة ، وبناء المراكز الإسلامية والتعليمية والهيئات والمؤسسات الإسلامية في جميع أرجاء المعمورة دعما للمسلمين في كل مكان ، ونصرة للمسلمين ، إلى جانب تقديم المنح الدراسية لأبناء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها للدراسة في الجامعات والمعاهد في بلادنا، وتقديم المساعدات المادية والعينية، حتى أصبح مركز الملك سلمان للأعمال الإنسانية الأمل لكثير من الشعوب ، كالشعب السوري واليمني وغيره من الشعوب المظلومة والمنكوبة ، وهذا والله ليس فضل بل تأكيد لواجبها بنصرة المنكوبين والمحتاجين، فـ"المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَيَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ،وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ" البخاري و مسلم، وهذه المساعدات وإن كانت حقا وواجبا لإخوتنا وأشقائنا في اليمن وسوريا ولاجئي الروهينجا والصوماليين بل وامتدت إلى أكثر من أربعين دولة ، فهي أيضا تُشكل واحدة من أعظم صور المواساة والمؤاخاة في عصرنا الحالي، حفظ الله بلادنا، وأدام عليها خيراتها وأمانها، وجعلها عزيزة بدينها ليوم الدين، خادمة للإسلام وللإنسانية في كل مكان وزمان، وحفظ الله ولاة أمرنا وعلمائنا ومفكرينا ومجتمعنا وجمع الله كلمة الجميع على القرآن وعلى السنة وألف بين قلوبنا.

  عباد الله! ليكن مفهوم المواطنة إيجابيا بصِدْق فنعبر عن حبنا  ونتذكر ونُذكر الناس والأجيال بعظمة شكر الله على نعمة التوحيد، وبالتواصي بالمحافظة على نعمة الامن والأمان واجتماع الكلمة وحقوق الراعي والرعية والتواصي بغرس حقيقة الحب للوطن والحب لأهله وللمقيمين فيه بالاحترام المتبادل بين الناس وكف الأذى وكف الغيبة والقيل والقال، وعدم ظلم من واطنك هذه الأرض ومن شاركك عليها  أو  غشهم أو سلب أموالهم أو حقوقهم، فما أروع التكاتف لتحويل هذه المناسبة إلى بناء وتصحيح  وتطوير وشكر لهذه النعم التي تترى ، فكم نحن بحاجة للمبدعين والناشطين الغيورين لاستثمار هذه المناسبة بالأفكار والمشاريع والبرامج الوطنية النافعة للبلاد والعباد.

إخوة الإيمان :إننا اليوم نؤكد ما يكرره وينادي به ولاة أمرنا وفقهم الله في كل مناسبة: أن الحب الحقيقي للوطن قدوةٌ ومسؤوليّةٌ، و تفاعلٌ وجديةٌ، وليس مجردَ مناسبةٍ شكليةٍ، فلنكن حقاً عوناً لهم لبناء وطن شرفه الله بالحرمين الشريفين، وبمنبع رسالة التوحيد، ليكون وطناً إسلامياً حضارياً نظيفاً يسوده العدل والحرية ، فنحن أحوج بمناسبة اليوم الوطني إلى منهجية متماسكة متكاملة لإحياء الروح الوطنية الشرعية في نفوس الأجيال والمواطنين، كونه يومًا تُحشد رسمياً لأجله عوامل التهيئة النفسية والاجتماعية والإعلامية والعاطفية، ثم إن أهل العربية يقولون: كل من وطن أرضًا وسكن فيها. فهو مواطن. ولذا فمن المناسب أن نذكر المقيمين من الجاليات من إخواننا المشاركين لنا ببناء هذا الوطن، الذين ساهموا في نهضة البلاد، فلنحفظ لهم حقوقهم ولنرد إليهم مظالمهم ، ولنحترمهم ونعاملهم بالعدل والإحسان الذي أمر الله به، خاصة ممن ولدوا عل أرضه وشاركوا بعمارته ، وهذا كله من صميم معاني الشرعية التي أقرها وأمر بها شرعنا الحنيف.

وأخيرا: مما هو معلوم أنه لا يجوز لنا أن نتخذ هذا اليوم عيدًا؛ لأنه ليس لنا كمسلمين إلا العيدين الشرعيين السماويين: الفطر والأضحى، وإنما جُعل كمناسبة تاريخية مهمة في مسيرة بلادنا، وتحول كبير في تاريخ الجزيرة ، تحتاج منا أن نشكر الله على نعمة وحدة الصف، وجمع الكلمة، والمحافظة على الأمن والأمان، وأن نستثمر هذه المناسبة لتحقيق وتأكيد وحدة الصف وحبنا لبعضنا ، وترسيخ نعمة الأمن والأمان وظهور الفضيلة والإحسان، ونعمة سَعة الخير والبركة والبِر، نسأل الله أن يديم الخير على بلادنا وعلى سائر بلاد المسلمين وأن ينصر دينه وكتابه وسنة نبيه في كل مكان، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :