خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
11964565
زوار الشهر :
82951
زوار اليوم :
4073


غَزْوَة حُنَيْن

السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(76) 

تاريخ الخطبة 1-3-1440هـ

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أفضل صلاة وأزكى تسليم. أمَّا بعد: عباد الله! أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله  سبحانه وتعالى ، فالسعيد من راقب الله عَزَّ وَجَل وأحسن تعامله مع ربِّه  سبحانه وتعالى ، واتَّبع هدي نبيِّه  صلى الله عليه وسلـم ، فسلامة المنهج في اتِّباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا المعاصر لتتبع سيرة حبيبنا وقدوتنا وأسوتنا محمـد  صلى الله عليه وسلـم ، والوقوف على دروسها وعبرها، وها هي الخطبة السادسة والسبعون من سلسلة خطب السيرة النبوية و واقعنا المعاصر، ونواصل اليوم الحديث عن ما جرى بعد أن فتح الله مكة على رسوله  صلى الله عليه وسلـم  وأصحابه بنصر مبين، وتمكين لدين الله رب العالمين، وقد كانت أخبار الفتح قد انتشرت في جنبات الجزيرة آن ذاك ممثلةً خطرًا داهمًا على المشركين في كل مكان؛ فمكة مركز الجزيرة العربية وقريش رأس العرب، فلذا كان الفتح مؤزَّرًا قويًّا مدويًّا، فلما سمعت هوازن برسول الله  صلى الله عليه وسلـم  وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيفٌ كلها، واجتمعت نصر وجُشَمٌ كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال، ولم يشهدها من قيس عَيلان إلا هؤلاء، وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، وخرج معهم دُرَيدُ بنُ الصِّمَّة، وكان شيخًا كبيرًا، ليس فيه شيء يتحرك لأجله إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب. انظر: سيرة ابن هشام (2/437). ولا شك أن هذا الحشد الهائل من تلك القبائل دليل على رغبتهم في حسم تلك المواجهة لصالحهم دون أية مفاجآت، كما أن هذه الجموع تبين مدى حذرهم من قوة جيش المسلمين، فلما أجمعَ مالك بن عوف السيرَ إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  وأصحابه جعل مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. انظر: سيرة ابن هشام(2/437)، والسيرة النبوية لابن حبان (1/343). فلما نزل المشركون بِأَوْطَاسٍ (واد في ديار هوازن كانت فيه وقعة حنين) اجتمع الناس، وفيهم دُرَيدُ بنُ الصِّمَّة فقال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل! لَا حَزْنٌ(المرتفع من الأرض) ضِرْسٌ (الذي فيه حجارة محددة)، وَلَا سَهْلٌ دَهْسٌ (اللين الكثير التراب)، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. قال: أين مالكٌ؟ قيل: هذا مالك ودُعي له، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام. ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال: سقتُ مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم، قال: ولم ذاك؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله، ليقاتل عنهم، فَأَنْقَضَ بِهِ(زجره). ثم قال: راعي ضأن والله! وَهَلْ يَرُدُّ الْمُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فُضِحتَ في أهلك ومالك، ثم قال: يا مالك: إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن(جماعتهم) إلى نحور الخيل شيئًا، ارفعهم إلى مُتَمَنَّعِ بِلَادِهِمْ وَعُلْيَا قَوْمِهِمْ، ثم الْقَ الصُّبَاء(يعني المسلمين الذين صبئوا عن دين المشركين) على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك مَن وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك قد أحرزتَ أهلك ومالك. قال مالك: والله لا أفعل ذلك، إنك قد كبرت وكبر عقلك. والله لتطيعُنَّنى يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري. وكره أن يكون لدريد بن الصمة فيها ذكر أو رأي، فقالوا: أطعناك، فقال دريد بن الصمة: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني، وأنشد قائلًا:

يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ ** أَخبُّ فِيهَا وَأَضَعْ(الخبب والوضع: ضربان من السير)

وعلاوة على ما قام به مالك بن عوف من شحن لجنوده، وقد أخرجهم بنسائهم وذراريهم؛ ليبذلوا مزيدًا من التضحية في القتال، فقد أمرهم أن يكسروا جفون سيوفهم، وهذا التصرف يعني إصرار المقاتل على الثبات أمام خصمه حتى يتنصر أو يموت دون رجوع. انظر: سيرة ابن هشام (2/439). كانت هذه هي الأجواء في جيش مالك بن عوف؟ فما حال جيش المسلمين؟ وكيف استعد النبي  صلى الله عليه وسلـم  لتلك المواجهة؟ فلقد أرسل رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  ابن أبي حَدْرَد عينًا على جيش هوازن يأتيه بخبرهم انظر: سيرة ابن هشام (2/439-440)، والطبقات الكبير لابن سعد(4/67). فرجع إليه فأخبره بنبأ القوم، "فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلـم  السير إلى هوازن ليلقاهم، ذُكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعًا له وسلاحًا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك. فقال: ((يَا أَبَا أُمَيَّةَ، أَعِرْنَا سِلَاحَكَ هَذَا نَلْقَ فِيهِ عَدُوَّنَا غَدًا))، فقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟ قال: ((بَلْ عَارِيَةٌ وَمَضْمُونَةٌ حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إلَيْكَ))، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح". سيرة ابن هشام(2/440) ولولا أن رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  قد جعل للدعوة سيرة حسنة وسمعة طيبة لما ارتضى صفوان وهو مشرك إذ ذاك أن يعطي المسلمين سلاحًا للقتال، ثم خرج رسول الله إلى حنين مستخلفًا عَتَّابَ بْنَ أَسِيدِ على من بقي بمكة. انظر: سيرة ابن هشام(2/440) ، وكان جيش الفتح عشرة آلاف مقاتل ، فخرج من مكة بعد إسلام قريش اثني عشر ألف مقاتل ، أي جيش الفتح مضافا إليه مسلمة الفتح ، فليس فتح مكة فتحا للأرض والتوسع فيها بل هو فتح للقلوب والعقول وانتشال لها من وحل الشرك وعبادة الأوثان إلى توحيد وعبادة الله رب العالمين. فكانت عُدة جيش المسلمين في حُنين اثنا عشر ألف مقاتل ، وهذا العدد الكبير الذي خرج به جيش المسلمين حمل بعض الصحابة أن يقول:(لا يغلبنا اليوم أحد من قِلة) ثم كانت بداية المعركة، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنـهما : لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوفَ(متسع) حطُوطٍ(منحدر)، إنما ننحدر فيه انحدارًا، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه(جوانبه) ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدُّوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر(انفضوا وانهزموا) الناس راجعين، لا يلوي أحدٌ على أحدٍ. وانحاز رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  ذات اليمين، ثم قال: ((أَيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ؟ هَلُمُّوا إلَيَّ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ)). فانطلق الناس، إلا أنه قد بقي مع رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته. انظر: سيرة ابن هشام (2/442-443) وهكذا كانت المباغتة من العدو سببًا في اضطراب صفوف المسلمين في بداية المعركة، وانسحاب معظمهم، فلما رأى رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  تفرق المسلمين كان لابد من تدخله بحنكة العسكري المجرِّبِ، وحكمة القائد. يقول العباس رضي الله عنـه يُحدّثنا عما كان من شجاعة وثبات النبي  صلى الله عليه وسلـم ، يقول: "فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلـم  يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلـم  أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلـم " مسلم (1775). بأبي هو وأمي  صلى الله عليه وسلـم  فقد كان كما قال أنس  رضي الله عنـه : "أَشْجَعَ النَّاسِ" مسلم (2307). ثم نادى النبي  صلى الله عليه وسلـم  فقال:((يَا عَبَّاسُ، اُصْرُخْ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السَّمُرَةِ))، قال: فأجابوا: لبيك، لبيك! قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة، استقبلوا الناس، فاقتتلوا، وكانت الدعوى أول ما كانت: يا للأنصار. ثم خلصت أخيرا: يا للخزرج. وكانوا صبرًا عند الحرب، فأشرف رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  في ركائبه، فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون، فقال: ((الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ)). انظر: مغازي الواقدي (3/898-899) وسيرة ابن هشام (2/445). فحوَّل رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  دفة المعركة بحنكة وحرفية عسكرية عالية، وأعاد الجيش للالتحام، وأكسبه الشجاعة على مواصلة القتال، ولقد أيد الله سبحانه وتعالى رسوله  صلى الله عليه وسلـم  بآيات عظيمة في تلك الغزوة يقول العباس  رضي الله عنـه  كما عند مسلم: " أَخَذَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلـم  حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: ((انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ)) قَالَ العباس: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا" مسلم (1775). سبحان الله ، يغيّر الله من حال إلى حال بلحظة ، فالأمر لله من قبل ومن بعد {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف:21] بينما المعركة تتجه للمشركين إذا برسول الله صلى الله عليه وسلـم وأصحابه وثباتهم وعون الله تعالى تنقلب لصالحهم ، فها هي آيات الله الساطعة تنصر المؤمنين، فقد أرسل الله مدده من الملائكة لعباده الموحدين في غزوة حُنين، كما يقول جبير بن مطعم: "لَقَدْ رَأَيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ الْقَوْمِ وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِثْلَ الْبِجَادِ الْأَسْوَدِ، أَقْبَلَ مِنْ السَّمَاءِ حَتَّى سَقَطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا نَمَلٌ أَسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأَ الْوَادِيَ، لَمْ أَشُكَّ أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَزِيمَةُ الْقَوْمِ". سيرة ابن هشام(2/249) فهزم الله المشركين من أهل حنين بجنده، وأمكن رسوله  صلى الله عليه وسلـم  منهم، وهكذا عون الله يتنزل على من قام بأمره وأقام شرعه، وأخذ بأسباب النصر بصدق، ثم سأل الله النصر فإنه  سبحانه وتعالى  لا يخذل عباده أبدًا، بل يأتيهم عونه ومدده سبحانه.

قَدْ غَلَبَتْ خَيْلُ اللهِ خَيْلَ اللَّاتِ ** وَخَيْلُهُ أَحَقُّ بِالثَّبَاتِ" سيرة ابن هشام(2/449))

فيقينهم بربهم ونصره عقيدة راسخة في قلوب المؤمنين، لا يتسرّب إليها يأس أو قنوط مهما بلغت الأمور ، إنها عقيدة المؤمن في كل زمان ومكان، فالله تعالى يقول {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)} [الصافات: 171 - 173] ولقد كان للصحابة مواقف مضيئة في تلك الغزوة؛ يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : "بَيْنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ هَوَازِنَ صَاحِبُ الرَّايَةِ عَلَى جَمَلِهِ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ، إذْ هَوَى لَهُ(مال عليه) عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُرِيدَانِهِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ خَلْفِهِ، فَضَرَبَ عُرْقُوبَيْ الْجَمَلِ، فَوَقَعَ عَلَى عَجُزِهِ(مؤخره)، وَوَثَبَ الْأَنْصَارِيُّ عَلَى الرَّجُلِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَطَنَّ قَدَمَهُ(أطارها) بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَانْجَعَفَ(سقط عنه سريعًا) عَنْ رَحْلِهِ، قَالَ: واجتلد النَّاس، فو الله مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النَّاسِ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ حَتَّى وَجَدُوا الْأُسَارَى مُكَتَّفِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلـم ". انظر: سيرة ابن هشام (2/445). فتحولت دفة القتال، وعاد الصحابة يُعملون أسيافهم في العدو، ويصرعونه، ويأسرونه، وكان من أبي سفيان  رضي الله عنـه  رغم حداثة إسلامه من الثبات والشجاعة ما كان. قال جابر رضي الله عنـه : والتفت رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنـه ، وكان ممن صبر يومئذ مع رسول الله  صلى الله عليه وسلـم ، وكان حسن الإسلام حين أسلم، وهو آخذ بثَفَر بغلته(بالتحريك: السير في مؤخر السرج)، فقال من هذا؟ قال: أنا ابن أمك يا رسول الله" سيرة ابن هشام (2/446). وهذه أم سليم بنت مِلْحَان لما التفت رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  فرآها، وكانت مع زوجها أبي طلحة وهي حازمة وسطها ببرد لها، وإنها لحامل بعبد الله بن أُبيّ بن طلحة، ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يَعُزَّهَا(يغلبها) الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خِزَامَتِهِ (حلقة من شعر تجعل في أنف البعير) مع الخطام، فقال لها رسول الله  صلى الله عليه وسلـم : ((أُمُّ سُلَيْمٍ؟)) قلت: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلـم : ((أَوَ يَكْفِي اللَّهُ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ))- وفي رواية: ((إِنَّ الله قد كَفَى وَأَحْسَنَ)). قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بَعَجْتُهُ(يعني: شقت بطنه) به قال: يقول أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سُلَيْم الرُّمَيْصَاءُ" انظر: سيرة ابن هشام(2/446، 447) فلله دَرٌّ أم سُلَيْم ، خرجت حبلى و تستعد للقتال وتُظهر شجاعة ودفاعا عن رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  عجيب ، لقد كانت غزوة حُنين امتحان من الله واختبار للمسلمين الذي أظهروا بسالة وثباتا ، فلم يدّخروا جهدا في الذب عن رسول الله  صلى الله عليه وسلـم   ولا نصرة لدين الله حتى إن أبا طلحة رضي الله عنـه أخذ سلب عشرين رجل وحده ذلك اليوم انظر: سيرة ابن هشام(2/449)، فإذا كان رجل واحد يقتل عشرين رجلًا من المشركين ويأخذ سلبهم فكيف ببقية الصحابة رضوان الله تعالى عليهم!

  وتتبع المسلمون المشركين الفارين فقتلوا منهم عددا كبيرا ، وكان ممن قُتل في هذه المعركة دُرَيدُ بنُ الصِّمَّة. انظر: سيرة ابن هشام(2/453) "وبعث رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  في آثار من توجه قِبَلَ أوطاس أبا عامر الأشعري، فأدرك من الناس بعض من انهزم، فناوشوه القتال، فرُمِيَ أبو عامر بسهم فقُتِلَ، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري، وهو ابن عمه، فقاتلهم، ففتح الله على يديه وهزمهم" سيرة ابن هشام (2/455) ولقد ظهرت عظمة الجهاد الإسلامي في تلك الغزوة ، فقد قال رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  لبعض من معه: ((أَدْرِكْ خَالِدًا، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ يَنْهَاكَ أَنْ تَقْتُلَ وَلِيدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَسِيفًا (أجيرا))).انظر: سيرة ابن هشام (2/457-458) وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  يومئذ: ((إنْ قَدَرْتُمْ عَلَى بِجَادٍ، -رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ-، فَلَا يُفْلِتَنَّكُمْ))، وكان قد أحدث حدثًا، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا معه الشيماء، بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  من الرضاعة، فلما انتُهي بها إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلـم ، قالت: يا رسول الله، إني أختك من الرضاعة، وأخبرته بعلامة فعرف رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  العلامة، فبسط لها رداءه، فأجلسها عليه، وخيّرها، وقال: ((إنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي مُحَبَّةٌ مُكْرَمَةٌ، وَإِنْ أَحْبَبْت أَن أمتعّك(أي: أعطيك ما ينفعك) وَتَرْجِعِي إلَى قَوْمِكَ فَعَلْتُ))، فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها رسول الله  صلى الله عليه وسلـم ، وردها إلى قومها. هكذا حبيبنا وأسوتنا صلوات الله وسلامه عليه حتى في المعركة كريم الأصل ونبيل الخلق وفيًا لا ينسى فضلًا قديمًا لأحد عليه أبدًا ولو كان صاحب الفضل كافرًا، فالصلة والبر والوفاء لكل من له حق الصلة والبر، وحسبنا قوله صلى الله عليه وسلـم : ((إن حُسن العهد من الإيمان)) الطبراني في الكبير (23)، والحاكم في المستدرك (40)، وحسنه الألباني. ولقد أنزل الله آيات في يوم حنين يمتن على عباده ويعلمهم دروس الغزوة: { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}[التوبة:25].(سيرة ابن هشام (2/459)) فليست العبرة بالكثرة ولكن باليقين والثقة برب العالمين ، والعُجب والغرور مرض قتّال وخطير في كل زمان ومكان ، فهو سبب لضعف المسلمين وغلبة العدو عليهم ، لكن المراجعة والمحاسبة والندم يُصلح الأمور بعد فسادها ، فما أعظم التواضع وإرجاع الأمر لله وحوله وقوته فهذه هي حقيقة الإيمان وهي حقيقة التوكل على الله ، فالنصر والظَفر يأتي بها الله متى علم الله نظافة القلوب وطهارتها وحقيقة إيمانها وحُسن توكلها وتفويضها لله ، ولذا امتن الله على عباده الموحدين في غزوة حُنين بتلك السكينة التي أنزلها عليهم، بل وإنزال جنودًا من السماء؛ نُصرة لجند الأرض من الموحدين، كما قال الحق عَزَّ وَجَل: { هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}[الفتح: 4]. هكذا آيات القرآن تُؤكد أسباب النصر توحيد وثبات وسكينة وإيمان ، درس بليغ للمسلمين في كل زمان ومكان ، وقد امتن الله أيضا على رسوله والمؤمنين  فجُمعت سبايا حُنين وأموالها، فأمر رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  بالسبايا والأموال إلى الجعرانة، فحُبست بها" انظر: سيرة ابن هشام (2/459)، وكان مما قاله جُبَيرُ بنُ زُهير يوم حنين أيضًا:

وَاَللَّهُ أَكْرَمَنَا وَأَظْهَرَ دِينَنَا ** وَأَعَزَّنَا بِعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ

وَاَللَّهُ أَهْلَكَهُمْ وَفَرَّقَ جَمْعَهُمْ ** وَأَذَلَّهُمْ بِعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ سيرة ابن هشام (2/459)

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين في كل مكان ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، واجمع كلمتهم وصفهم على التوحيد والقرآن يا رب العالمين ، اللهم من أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بسوء فاللهم اكفناه بما شئت واجعل تدبيره تدميرا عليه يا قوي يا عزيز ، اللهم احفظنا واغفر لنا وتُب علينا أجمعين ، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.










طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :