خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
12337721
زوار الشهر :
199962
زوار اليوم :
2805


غَزْوَة تبوك(2) وفرض الحج

السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(79) 

تاريخ الخطبة 29-3-1440هـ

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه ومن نهج نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين أفضل صلاة وأزكى تسليم. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه  صلى الله عليه وسلم ، خاصة في مثل هذا الواقع المعاصر ، الذي يموج بالفتن والأحداث، فالمسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج والذي لن يكون إلا باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا لتتبع سيرة نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم  أسوتنا وقدوتنا وحبيبنا ، والوقوف على دروسها وعبرها، وها هي الخطبة التاسعة والسبعون من سلسلة خطب السيرة النبوية وواقعنا المعاصر ، ومازلنا مع الغزوة الفاضحة ( غزوة تبوك ) فقد فضحت المنافقين ومكرهم وشدة حقدهم على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين فهم في استهزاء وسخرية وتخذيل وإساءات متكررة لا تهدأ من قبل المعركة وأثناء الاستعداد لها وحتى نهايتها وما بعدها ، وهذا ديدن النفاق وأهله في كل زمان ومكان بدلالة الآيات والقرآن ، فقد أنزل الله فيهم قرآنا يتلى إلى يوم القيامة لبيان خطورتهم والتحذير منهم ، سورة بمائة وتسع وعشرين آية سُميت ( سورة الفاضحة ) ( سورة الكاشفة ) ( سورة التوبة ) أو ( براءة ) فمازالت تنزل ومنهم ومنهم حتى لم تُبقي أحدا منهم إلا ذُكر فيها بمكره وحيله وسخريته ، ففضحهم الله وهتك أستارهم بكشف حقيقتهم للمسلمين وتوقفنا عند المفاجأة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين وصلوا لتبوك لم يروا أثرًا للحشود الرومانية، ولا للقبائل العربية الموالية لهم، رغم أنهم مكثوا بتبوك عشرين يومًا. أبو داود (1235)، وصححه الألباني. فما الذي حصل وأين ذهب جيش الروم ومن سيقاتلون وكيف كان سير المعركة إذا ، والأجوبة تتلخص بأن الروم ما إن سمعوا بزحف جيش المسلمين وعددهم نحو ثلاثين ألفا حتى دبَّ الرعب في قلوبهم، وهاموا على وجوههم متفرقين، ولم يغامروا بالدخول في مواجهة معه، فكان هذا نصرًا عظيمًا من الله  عَزَّ وَجَل ، كما كان عظيم الأثر لسمعة المسلمين العسكرية، وعليه فقد آثر حكَّام المدن في أطراف الشام الصلح ودفع الجزية، فأتى النبيَ  صلى الله عليه وسلم  يُحَنَّةُ بْنُ رُؤْبَةَ، صاحب أَيْلَة، فصالح رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ، فأعطوه الجزية. انظر: سيرة ابن هشام (2/525). ثم دعا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خالد بن الوليد رضي الله عنه ، فبعثه إلى أُكَيْدِرِ دَوْمَةَ، وكان ملكًا على كِنْدَةَ، وكان نصرانيًا، وقال له: ((إنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ)) فوجده خالد رضي الله عنه على الحال التي ذكرها رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، فأسره، وقدم به على رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى بلدته. انظر: سيرة ابن هشام (2/526).

وبهذا يكون النبي  صلى الله عليه وسلم  قد انفرد بالإمارات الواقعة في شمال الجزيرة وعقد معها معاهدات, وأمَّن بهذا حدود الدولة الإسلامية الشمالية آن ذاك، فقص أجنحة الروم. لكن ذلك كله ما زاد المنافقين إلا قهرا وحسرة وألما ، مما جعلهم يتقيؤون حقدهم وينفثون سمومهم ، فقد طفح بهم الكيل والغبن ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي مَجْلِسٍ يَوْمًا: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ لَا أَرْغَبَ بُطُونًا وَلَا أَكْذَبَ أَلْسِنَةً وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم  وَنَزَلَ الْقُرْآنُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ:  فَأَنَا رَأَيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  تَنْكُبُهُ الْحِجَارَةُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة: 65] وَرَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ: ((﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ))» انظر: تفسير ابن أبي حاتم (6/1829). بأحكام الله وفرائضه وشرائعه تستهزئون؟! ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 66]. فالاستهزاء أدى بكم إلى الكفر ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة: 66]  لكنهم مع تنزل الآيات بفضحهم يزدادون عنادا وفجورا فقد تماهوا في ضلالهم وشناعة أفعالهم، فبين النبي  صلى الله عليه وسلم  مقبلًا من تبوك يقوده حذيفة ويسوق به عمار، إذا أقبل جماعة منهم ملثمون، فتعرضوا للنبي  صلى الله عليه وسلم  لإيذائه، "فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  لعمار: ((هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا؟)) قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((أَرَادُوا أَنْ يَنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  فَيَطْرَحُوهُ))". أحمد (23792)، وقوى إسناده الأرنؤوط. لكن الله خيب سعيهم، وأحبط مكرهم، ورد كيدهم في نحرهم، وكان المنافقون إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وسبوا أصحابه وطعنوا في الدين، فلما راجعهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  حلفوا بالله ما قالوا فأنزل الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ [التوبة: 74]. انظر: أسباب النزول للواحدي (ص251). وهكذا فضحت سورة التوبة كذبهم، وكشفت نفاقهم. فكانت تبوك خير دليل على قوة المسلمين، وشدة شكيمتهم، وقدرتهم على مجابهة أي عدو، فعاد النبي  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه مظفرين بالنصر للمدينة. وما إن أشرف عليها حتى قال عليه الصلاة والسلام : ((هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ، جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)) البخاري (4422)، ومسلم (1392).

وكان أول ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة من تبوك أن بدأ بالمسجد، فصلى ركعتين ثم جلس للناس، فجاءه المخَلَّفون، يعتذرون له عن تخلِّفهم، ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. البخاري (4418). ولئن كانت مواقف المنافقين قد طفحت قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم لتبوك، وأثناءها، فها هي تعاود للظهور من جديد، فها هم يحلفون للنبي صلى الله عليه وسلم كذبًا من جديد، فأنزل الله  سبحانه وتعالى  فيهم آياتِ تُبين حقيقة نفوسهم والسوء فيها، قال تعالى : ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 95، 96]. عندها اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم موقفًا جديًا من تلك الفئة المنافقة فأمر بتحريق مسجد الضِّرار الذي بنوه؛ ليفرقوا بين صف المؤمنين، ويوقعوا الفتنة بينهم، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة: 107] فكشف الله أ لنبيه  صلى الله عليه وسلم  حقيقة ما أضمرت نفوسهم الخبيثة من السوء له و للمسلمين، ثم أمر الله  عَزَّ وَجَل  نبيه صلى الله عليه وسلم  أن لا يقرب هذا المسجد الذي أعدوه لتلك الأغراض الخبيثة، ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: 108]  انظر: تفسير الطبري (11/673).   إنه الدرس البليغ لكل عاقل بأنه لا يستوي بيت بناه المنافقون على تلك النية التي بيَّنها الله جل جلاله ، وبيت أسسه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وتربى فيه أصحابه على الحق، وعلى ميزان الصدق، وغراس التقوى. هكذا معاشر المؤمنين: سورة التوبة وغزوة تبوك فضحت المنافقين ووضّحت وبيّنت صفاتهم ومكرهم وحيلهم ، وهكذا يدور الزمان ليتلوّن المنافقون في كل مكان ، فاحذروهم كما حذّر الله منهم ، نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا وأن يحفظنا وإياكم ، وقد تربى فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الصدق وعلى التقوى وعلى التعامل مع الله عَزَّ وَجَل، هكذا فليكن المؤمن بصدقه مع الله سبحانه وتعالى. وسورة التوبة تحمل هذا الاسم العظيم ( التوبة ) لبيان رحمة الله تعالى بالمؤمنين الصادقين وإن ركنوا أو ضعفوا ، فقد تخلف عن تلك الغزوة أقوام بغير عذر لكنهم صدقوا الله ورسوله ، كما قال الحق عَزَّ وَجَل  ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: 102]. فهؤلاء "أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال أخر صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه. وهذه الآية -وإن كانت نزلت في أناس معينين -إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلصين المتلوثين"تفسير ابن كثير (4/206). فالمؤمنين الصادقين يعلمون أن النجاة إنما تكون في الصدق مع الله، ومجانبة الكذب والخديعة، ولقد ذكر الله جل جلاله قصة أولئك الصادقين، ممن ندموا على تخلفهم عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أشد الندم، فأتوا رسول الله مصرحين بأنهم لم يكن لهم عذر في تخلفهم عن الغزو معه، فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة: 118]  هم: كَعْبُ بْنِ مَالِكٍ، ومُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ ، وَهِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ. صحيح البخاري (4418). ولم يكن تخلف هؤلاء عن نفاق حاشاهم، فهم من المؤمنين المخلصين، فقد نهى النبي  صلى الله عليه وسلم  الناس عن التكلم معهم، فبقوا خمسين ليلة لا يكلمهم من المسلمين أحدٌ، فتنكرت لهم الأرض ، حتى ضاقت عليهم على سعتها، وضاقت عليهم أنفسهم ، فيا له من وصف قرآني عجيب ، قال  سبحانه وتعالى  واصفًا حالهم: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة: 118] ما أعظم القرآن في فضحه للمنافقين ورحمته وإنصافه للمؤمنين ، وبينما الثلاثة على تلك الحال من الضيق، وشدة البلاء، والعزلة الكلامية من الناس، أرسل ملك غَسَّان برسالة لكعب يدعوه فيها للقدوم عليه، ويحرضه على النبي  صلى الله عليه وسلم ، " أما بعد ، فقد علمنا أن صاحبك قد جفاك ، ولست بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسِك"  لكن نفس كعب المؤمنة سارعت بهذه الرسالة فزجرها مباشرة في النار، أغلق على نفسه باب فتنة لقطع وساوسها وحيل الشيطان ومداخله ، فأبطل كيدها، وكأن الله  عَزَّ وَجَل  أراد بهذه الشدة التي تعرضوا لها طوال تلك المدة لها أن يخلِّص نفوسهم من درنها، وأن يطهرها تطهيرًا، وحين تم لها ذلك، جاءهم الفرج من الغفور الرحيم فأنزل الله سبحانه وتعالى، ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: 118] فقدم كعب على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  مستبشرًا فرحًا بتوبة الله عليه، وعلى صاحبيه، قال: "فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: ((أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ))" صدق ، فأي بشارة أعظم من توبة الله  عَزَّ وَجَل  على العبد! أي بشارة أعظم من غفران الله  عَزَّ وَجَل  للعبد! أي بشارة من أن يتوب الله  عَزَّ وَجَل  عليك يا عبدالله! فاللهم اغفر لنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. أيها المؤمنون : عاقبة الصدق جميلة ،  فقد قطع أولئك الثلاثة حبائل الكذب، وأيقنوا أن الصدق منجاة ، ولهذا أنزل الله  عَزَّ وَجَل  عقب ذكر توبته عليهم خطابه لعامة المؤمنين في كل زمان ومكان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119].

حَسْـبُ الْكَـذُوبِ مِـنَ الْبَلِيَّـةِ ..... بَـعْـضُ مَـا يُحْكَـى عَلَيْـهِ
مَهْمَـا سَـمْـعْـتَ بِكِـذْبَـةٍ ...... مِـنْ غَـيْـرِهِ نُسِـبَـتْ إِلَيْـهِ

معاشر المسلمين: لقد كانت تبوك درسًا عظيمًا للمسلمين في ضرورة تنقية الصفوف من المنافقين، فلم تكن نصرًا عسكريًا للمسلمين على الروم وحلفائهم فحسب، وإنما كانت كشفًا وفضحًا للزائغين عن الحق، المخادعين لله ولرسوله، كما كانت تثبيتًا ودعمًا للمؤمنين الصادقين ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد: 17] . ونتيجة تنقية الصف أن مكّن الله لدينه  فثبت لرسوله وللمؤمنين دعائمه في جزيرة العرب وما حولها ، مما جعل الله سبحانه يتفضل على عباده بفريضة عظيمة فقد أنزل الله سبحانه وتعالى في أواخر العام التاسع الهجري: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: 97] فكانت هذه الآية آية فرض الحج، انظر: زاد المعاد (3/521). ولما أراد  صلى الله عليه وسلم  الحج قال: ((إِنَّهُ يَحْضُرُ الْبَيْتَ مُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ عُرَاةً فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَحُجَّ حَتَّى لَا يَكُونَ ذَلِكَ)) تفسير ابن أبي حاتم (6/1746).  "ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج من سنة تسع، ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، فخرج أبو بكر  رضي الله عنه  ومن معه من المسلمين". سيرة ابن هشام (2/543) فأنزل الله أول سورة براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم ، بأنه لا يُصد عن البيت أحد جاءه ، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام ، "فدعا النبي  صلى الله عليه وسلم  علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال له: ((اُخْرُجْ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ صَدْرِ بَرَاءَةٍ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ إذَا اجْتَمَعُوا بِمِنًى، أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ كَافِرٌ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَهُوَ لَهُ إلَى مُدَّتِهِ))" سيرة ابن هشام (2/545). فتوجه علي لتنفيذ أمر النبي  صلى الله عليه وسلم ، فأدرك أبا بكر في الطريق، فمضيا معًا، فأقام أبو بكر للناس الحج، حتى إذا كانوا يوم النحر قام علي بين أبي طالب خطيبًا في الناس فبلَّغهم بأمر رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، فلم يحج بعد هذا العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله  صلى الله عليه وسلم . انظر: سيرة ابن هشام (2/546). وبهذا أيقنت القبائل في الجزيرة وما حولها أن الأمر جد، فأخذت تُرسل وفودها لتعلن إسلامها، وتدخل في دين الله رب العالمين. فالحمد لله على نعمة التوحيد ، والحمد لله على نعمة الإسلام ، وثبتنا اللهم على التوحيد حتى نلقاك وأنت راض عنا ، اللهم أعزّ هذا الدين ، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين. أقول ما تسمعون ، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.











طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :