خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
15556641
زوار الشهر :
101596
زوار اليوم :
3769


تأمير الصديق بالحج ونزول براءة ووفد ثقيف

السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(80) 

تاريخ الخطبة 7-4-1440هـ

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن نهج نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، والسعيد من اتبع هدي نبيه  صلى الله عليه وسلم ، فالمسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج والذي لن يكون إلا باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا لتتبع سيرة نبينا وحبيبنا وأسوتنا وقدوتنا  صلى الله عليه وسلم ، والوقوف على دروسها وعبرها، وما زلنا مع سلسلة خطب السيرة النبوية وواقعنا المعاصر ، وها هي الخطبة الثمانون ، وكنا تحدثنا في الخطبة الماضية عما كان في غزوة تبوك من أحداث وأخبار ثم تحريقه صلى الله عليه وسلم لمسجد الضرار وأخبار المتخلفين عنه صلى الله عليه وسلم في القتال وفرض الله للحج، وبَعَثه صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ سَنَةِ تِسْعٍ، لِيُقِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجَّهُمْ، وَالنَّاسُ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ حَجِّهِمْ ، وكيف خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنـه وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ في ثلاثمائة رجل وبعث معه بعشرين بدنة قلّدها النعال وأشعرها بيده في الجانب الأيمن واستعمل عليها ناجية بن جندب الأسلمي وساق أبو بكر رضي الله عنه خمس بدنات وحج عام إذٍ عبدالرحمن بن عوف فأهدا بدنا وأهل أبو بكر رضي الله عنه من ذي الحليفة وكانت أصداء الجاهلية لاتزال واضحة المعالم عند البيت الحرام ، فالشرك لايزال باقيا والتعري عند الطواف عاديا ، والتعرض للمسلمين باقيا ، فكانوا إذا حجوا وقالوا: لبيك لا شريك لك، عارضهم المشركون بقولهم لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لبيْك لَا شريك لَك إِلَّا شريك هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ ، يُوَحِّدُونَهُ بِالتَّلْبِيَةِ ويدخلون مَعَه آلِهَتِهِمْ وَيَجْعَلُونَ مِلْكَهَا بِيَدِهِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَل لِنَبِيِّهِ  صلى الله عليه وسلم ، ]وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ [ [يوسف : 106] ، "أَيْ مَا يُوَحِّدُونَنِي لِمَعْرِفَةِ حَقِّي إلَّا جَعَلُوا مَعِي شَرِيكًا مِنْ خَلْقِي. انظر: سيرة ابن هشام (1/78) ". تعالى الله عما يقولون ويشركون. وكانوا يرفعون أصواتهم ليغلّطوهم بذلك، كما كانوا يطوفون بالبيت وهم عراة من الثياب ، فكان لا بد من إزالة تلك الآثار الجاهلية ومحوها، وتهيئة البيت إلى حجة الوداع التي حجها رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في العام العاشر، فكانت حجة العام التاسع بمثابة الدلالة الرمزية على مدى النفوذ والقوة التي أضحى المسلمون عليها، حتى أصبح البيت الحرام مثابة للناس وأمنًا، وأصبحت أبوابه مفتوحة للمسلمين يغدون ويروحون ويحجون ويعتمرون، وبينما أبو بكر يمضي في مهمته إذ نزل الوحي على رسول  صلى الله عليه وسلم  بصدر سورة براءة، وفيها "نَقْضِ مَا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَهْدِ، الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فلما نزلت تلك الآيات قيل لرسول الله ع: "يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ بَعَثْتَ بِهَا إلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: ((لَا يُؤَدِّي عَنِّي إلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي)) ثُمَّ دَعَا عَلِيَّ بْن أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنـه ، فَقَالَ لَهُ: ((اُخْرُجْ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ صَدْرِ بَرَاءَةٍ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ إذَا اجْتَمَعُوا بِمِنًى، أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ كَافِرٌ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  عَهْدٌ فَهُوَ لَهُ إلَى مُدَّتِهِ))، فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنـه عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  الْعَضْبَاءَ، حَتَّى أَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ بِالطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ بِالطَّرِيقِ قَالَ: أَأَمِيرٌ أَمْ مَأْمُورٌ؟ فَقَالَ: بَلْ مَأْمُورٌ، ثُمَّ مَضَيَا ، فَأَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَالْعَرَبُ إذْ ذَاكَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ الْحَجِّ، الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنـه ، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِاَلَّذِي أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم ، وقد أمر الصدّيق أبا هريرة في رهط آخرين أن يؤذّنوا في الناس يوم النحر بهذه الأمور حتى يصل البلاغ إلى الناس جميعًا، كما في البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم ، قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ»" البخاري (4655، ومسلم (435)، ولما رجع المشركون من حجهم لام بعضهم بعضًا، وقالوا: ما تصنعون وقد أسلمت قريش؟ فأسلموا انظر: إمتاع الأسماع (2/ 94) ، ومنذ ذلك اليوم اكتمل تطهير البلد الأمين من الرجس، فلم يحج إليه مشرك، ولم يقم فيه كافر، وبقيت أنوار الحق والإيمان والتوحيد تشع في الأرجاء حتى يومنا هذا بفضل الله وعظيم منته ، وفي هذا درس بليغ لكل مسلم ، فمهما اشتد الباطل وجال وصال وانتفش فالحق يعلو ]فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ[ [سورة الرعد: 17]،

مِن كُلِّ منتَدِبٍ لله مُحتَسِبٍ ** يَسطُو بمُستَأصِلٍ للكُفرِ مُصطَلِمِ

حتى غَدَتْ مِلَّةُ الاسلامِ وَهْيَ بهم *** مِن بَعدِ غُربَتِهَا موصولَةَ الرَّحِمِ

إي والله ، نعم، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كيف أصبح عليه الصلاة والسلام، أتذكرون كيف واجه أهل الطائف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين احتمى بهم من قريش وكيف عرض نفسه على بني عبد ياليل ، وكيف طردوه وسخروا منه ، بل وأرسلوا خلفه مجانينهم وأطفالهم يلاحقونه ويرمونه بالحجارة ، حتى دميت عقباه صلى الله عليه وسلم ، سبحان الله ، سبّوه وآذوه وطردوه وعارضوه وأدمه ، فعلوا كل ذلك وأكثر بل قتلوا مبعوثه عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه عندما وفد عليهم وهو منهم يدعوهم للإسلام لكنهم قتلوه ضربا بالنبال ، ومضا على تلك الواقعة زمان ، فماذا فعلوا وهم يرون ويسمعون ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ودينه ، بل ويرون القبائل المجاورة لثقيف تتقاطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم لإعلان الخضوع والإذعان لله الواحد الديان ، فماذا عساهم أن يفعلوا إذا ، لقد استدعوا الكبراء والأعيان من ثقيف، وعقدوا مؤتمرًا طارئًا أقروا فيه بعدم قدرتهم وطاقتهم على الحرب والقتال. انظر: عيون الأثر (2/281)، "وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ أَنّهُ لَا يَأْمَنُ لَكُمْ سِرْبٌ  (مسلك أو طريق)، وَلَا يَخْرُجُ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلّا اُقْتُطِعَ؟" مغازي الواقدي (3/963) وبعد المداولات رأوا أنه لا مناص من إرسال وفد إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بالمدينة، "فكلموا عبد يا ليل بن عمرو بن حبيب، فأبى أن يفعل، وخشي إن رجع إلى قومه مسلمًا أن يُصنع به ما صنع بعروة " (مغازي الواقدي 3/963)، فلم يخرج عبد يا ليل إلا ومعه ستة نفر من بني قومه، فلما وصلوا المدينة رأوا المغيرة بن شعبة الثقفي، فاستبشر بقدومهم وقال لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  "يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ قَدِمَ قَوْمِي يُرِيدُونَ الدّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ بِأَنْ تَشْرُطَ لَهُمْ شُرُوطًا، وَيَكْتُبُونَ كِتَابًا عَلَى مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَبِلَادِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم : ((لَا يَسْأَلُونَ شَرْطًا وَلَا كِتَابًا أَعْطَيْته أَحَدًا مِنْ النّاسِ إلّا أَعْطَيْتهمْ، فَبَشّرْهُمْ!)) ، فخَرَجَ الْمُغِيرَةُ رَاجِعًا فَخَبّرَهُمْ مَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم ، وَبَشّرَهُمْ وَعَلّمَهُمْ كَيْفَ يُحَيّونَ رَسُولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلم ، فَكُلّ مَا أَمَرَهُمْ الْمُغِيرَةُ فَعَلُوا إلّا التّحِيّةَ، فَإِنّهُمْ قَالُوا: أَنْعِمْ صَبَاحًا! وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ " مغازي الواقدي (3/964) ، فأراد النبي  صلى الله عليه وسلم  أن يطمئن نفوسهم ويؤمِّن روعهم مما فعلوه معه ومع عروة بن مسعود، ومما يخشونه من غضب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فأمر أن "تُضرب عَلَيْهِمْ قُبَّةٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ" عيون الأثر (2/282)؛ "لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِم" دلائل النبوة للبيهقي (5/305)، وليشاهدوا الإسلام واقعًا عمليًا من خلال الممارسات التطبيقية لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه "فَكَانُوا يَسْمَعُونَ الْقِرَاءَةَ بِاللّيْلِ وَتَهَجّدَ أَصْحَابِ النّبِيّ  صلى الله عليه وسلم ، وَيَنْظُرُونَ إلَى الصّفُوفِ فِي الصّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَيَرْجِعُونَ إلَى مَنْزِلِ الْمُغِيرَةِ فَيُطْعَمُونَ ويتوضؤون، وَيَكُونُونَ فِيهِ مَا أَرَادُوا" مغازي الواقدي (3/965) ، فلما خالط الإيمان بشاشة قلوبهم ، فكروا فيما هم عليه من أمور الجاهلية ، وإلى أين يؤول أمرها؟ وكيف يكون مصيرها؟، وبدأ كبيرهم وهو عبد يا ليل بمناقشة النبي  صلى الله عليه وسلم  في ذلك فقال: "هَلْ أَنْتَ مُقَاضِينَا حَتّى نَرْجِعَ إلَى أَهْلِنَا وَقَوْمِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم : ((نَعَمْ إنْ أَنْتُمْ أَقْرَرْتُمْ بِالْإِسْلَامِ قَاضَيْتُكُمْ، وَإِلّا فَلَا قَضِيّةَ وَلَا صُلْحَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ!)) قال عبد يا ليل: أَرَأَيْت الزّنَا؟ فَإِنّا قَوْمٌ عُزّابٌ بِغَرْبٍ (كثيرًا ما نغترب)، لَا بُدّ لَنَا مِنْهُ، وَلَا يَصْبِرُ أَحَدُنَا عَلَى الْعُزْبَةِ. قَالَ: ((هُوَ مِمّا حَرّمَ اللهُ عَلَى المسلمين، يقول الله تعالى: ]وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا[ [الإسراء: 32] ، قَالَ: أَرَأَيْت الرّبَا؟ قَالَ:(( الرّبَا حَرَامٌ!)). قَالَ: فَإِنّ أَمْوَالَنَا كلّها ربا. قال: ((لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[[البقرة: 278]، قَالَ: أَفَرَأَيْت الْخَمْرَ؟ فَإِنّهَا عَصِيرُ أَعْنَابِنَا، لَا بُدّ لَنَا مِنْهَا. قَالَ: ((فَإِنّ اللهَ قَدْ حَرّمَهَا!)) ثُمّ تَلَا رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  هَذِهِ الْآيَةَ: ]إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  [ البقرة: 90]" الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله لأبي الربيع الحميري (1/566)، وهنا تمخضت ردود القوم ما بين متمرد ومتذمر "وخلا بعضهم ببعض، فقال عبد يا ليل: ويحكم! نرجع إلى قومنا بتحريم هذه الخصال الثلاث! والله، لا تصبر ثقيف عن الخمر أبدا" مغازي الواقدي (3/967)، وهكذا حجة كل مفتون ومبتلى فهي أمور قد تبدو في غاية الصعوبة لمن سيطرت الجاهلية على حياته، فصار يعيش حياة بهيمية لا حد فيها ولا مانع، لكن الفطرة السوية والقلوب النقية سرعان ما تستجيب إلى تشريعات رب البرية، فقال سفيان بن عبد الله " أيها الرجل، إن يرد الله بها خيرا تصبر عنها! قد كان هؤلاء الذين معه على مثل هذا، فصبروا وتركوا ما كانوا عليه" مغازي الواقدي (3/967)، وظلوا أيامًا خائفين من النبي  صلى الله عليه وسلم  إذ كان يُرسل إليهم الطعام "فلا يأكلون منه شيئا حتى يأكل منه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  حتى أسلموا" مغازي الواقدي (3/967)، وما أن أسلموا حتى تذكروا معبودهم القديم وصنمهم العتيق فقالوا لرسول الله  صلى الله عليه وسلم : "أَرَأَيْت الرّبّةَ، مَا تَرَى فِيهَا؟ قَالَ:((هَدْمَهَا)). قَالُوا: هَيْهَاتَ! لَوْ تَعْلَمُ الرّبّةُ أَنّا أَوْضَعْنَا فِي هَدْمِهَا قَتَلَتْ أَهْلَنَا. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رضي الله عنـه : وَيْحَك يَا عَبْدَ يا ليل! إنّ الرّبّةَ حَجَرٌ لَا يَدْرِي مَنْ عَبَدَهُ ممّن لا يعبده. قال عبد يا ليل: إنّا لَمْ نَأْتِك يَا عُمَرُ! " مغازي الواقدي (3/968)، فلما رأوا إصرار النّبِيّ  صلى الله عليه وسلم  ، أخذوا يفاوضونه  صلى الله عليه وسلم  على تركها "سَنَةً وَسَنَةً وَيَأْبَى عَلَيْهِمْ، حَتَّى سَأَلُوهُ شَهْرًا وَاحِدًا بَعْدَ قُدُومِهْم فَأَبَى عَلَيْهِمْ أَنْ يَدَعَهَا شَيْئًا مُسَمَّى" عيون الأثر (2/282)، فلما أيقنوا أنه لا محالة من هدمها "سَأَلُوا النّبِيّ  صلى الله عليه وسلم  أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنْ هَدْمِهَا، كما سَأَلُوه أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنْ الصّلَاةِ" مغازي الواقدي (3/968)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم : ((أَمَّا كَسْرُ أَوْثَانِكُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَسَنَعْفِيكُمْ مِنْهُ، وَأَمَّا الصَّلاةُ فَإِنَّهُ لا خَيْرَ فِي دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ)) عيون الأثر (2/282)، ، ثم اشترطوا على رسول الله مع ذلك ألا يحشروا، (أي ألا يندبوا إلى المغازي)  ولا يعشروا ولا يجبوا (من الجباية، أي: لا تؤخذ منهم صدقاتهم) ، ولا يستعمل عليهم غيرهم، فأعطاهم ذلك، ثم قال: ((سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا)) انظر: البداية والنهاية (7/208)، يعني أنهم سيقبلون الجهاد، ويخرجون الزكاة إذا انشرحت صدورهم للإسلام، وهذا من حسن نظره  صلى الله عليه وسلم  في الأمور، وتقدير عواقبها، وقد روى وَهْب، قال: "سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ، قَالَ: " اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا، وَلَا جِهَادَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم  بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ((سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا))" (رواه الترمذي وصححه الألباني ح: 3025) ، فلما انتهوا من شروطهم، وأسلموا كتب لهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كتابهم، كتبه خالد بن سعيد ، وفي حلمه صلى الله عليه وسلم وعفوه وسعة صدره وصبره على وفد ثقيف وحوارهم واشتراطاتهم عجب وأي عجب ، صفح وعفو وحلم وصبر عجيب ، ليؤكد مسيس حاجتنا لأهمية تدارس سيرته العطرة وأخذ العبر والفقه من مواقه خاصة مع أعدائه فضلا عن أصحابه ، لنتعلم نحن تلك الأخلاق الحميدة والسجايا الكريمة في التعامل مع الناس و في الدعوة إلى الله ، فالحقد والتشفي و الانتقام لا يعقبه إلا الخسران،

أحسِنْ إلـى النّـاسِ تَستَعبِدْ قُلوبَهُمُ * * فطالَمـا استعبدَ الإنسـانَ إحسانُ

وإنْ أسـاءَ مُسـيءٌ فلْيَكنْ لكَ في * * * عُـروضِ زَلَّتِهِ صَفْـحٌ وغُفـرانُ

وكُنْ علـى الدَّهر مِعواناً لـذي أمَلٍ * * يَرجـو نَداكَ فإنَّ الحُـرَّ مِعْـوانُ

وقبل ذلك يقول الحق عَزَّ وَجَل في آية عظيمة هي قاعدة الأخلاق والتعامل: ]خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [[سورة الأعراف:199] ، وبعدما انتهت المشاورات والمراسلات التي كانت بين رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وبين ثقيف، وقفلوا راجعين لبلادهم "أَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَحْرَصَهُمْ عَلَى التَّفَقُّهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَتَعَلُّمِ الْقُرْآنِ" سيرة ابن هشام (2/540) ، وكان مما عهد له رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أن قال له "((يَا عُثْمَانُ، تُجَاوِزْ فِي الصَّلَاةِ، وَاقْدُرْ النَّاسَ بِأَضْعَفِهِمْ، فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ، وَالصَّغِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الْحَاجَةِ))" الروض الأنف للسهيلي (7/418)، إن في اختياره  صلى الله عليه وسلم  لهذا الشاب نظرة ثاقبة لأصحاب الهمم والقدرات وحنكة منه بتوظيف امكانيات الشباب عماد الأمة وعصبها، فعليهم تنعقد الآمال، وبهم تُبنى الأوطان ،

إِذا أَنا أَكبَرتُ شَأنَ الشَبابِ ** فَإِنَّ الشَبابَ أَبو المُعجِزات

حُصونُ البِلاد وَأَسوارُها ** إِذا نامَ حُرّاسُها وَالحُماة

غَدٌ لَهُم وَغَدٌ فيهِم ** فَيا أَمسُ فاخِر بِما هُوَ آت

فكم نحن اليوم بحاجة إلى الشباب وقدراتهم في كل مناحي الحياة؟!

فاللهم أصلح شباب الأمة وأصلح فتياتها ، ويسِّر لهم أمورهم، واحفظ عليهم دينهم، وانفعهم وانفع بهم ، وارفع بهم راية الإسلام والأوطان.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .










طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :