خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
15128589
زوار الشهر :
155990
زوار اليوم :
2494


سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن 

السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(82) 

تاريخ الخطبة 21-4-1440هـ

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أفضل صلاة وأزكى تسليم. أمَّا بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه وتعالى ،  فالسعيد من راقب الله عَزَّ وَجَل والسعيد من أحسن تعامله مع ربِّه سبحانه وتعالى ، والسعيد من اتَّبع هدي نبيِّه  صلى الله عليه وسلـم ، فالمسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج والذي لن يكون إلا باتِّباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا لتتبع سيرة قدوتنا وحبيبنا وأسوتنا نبينا محمد  صلى الله عليه وسلـم ، والوقوف على دروسها وعبرها، ومازلنا مع سلسلة خطب السيرة النبوية وواقعنا المعاصر وكنا قد تحدثنا في الخطبة الماضية عن بعض الأحداث في أواخر السنة التاسعة وبدايات السنة العاشرة من هجرته صلى الله عليه وسلم وكان من أبرزها وفاة أم كلثوم رضي الله عنها ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وزوجة عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم هلاك عبدالله بن أُبي بن سلول زعيم المنافقين ، وها هي الخطبة الثانية والثمانون نواصل فيها الحديث عن بعض أحداث السنة العاشرة من الهجرة ومنها اهتمامه صلى الله عليه وسلم باليمن وأهلها ، فإسلام واجتماع أبناء اليمن وتوحّد كلمتهم هدف إسلامي استراتيجي منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بل وفي كل زمان، لذا كانت من البلاد التي أرسل لها صلى الله عليه وسلم الرسل وكتب الرسائل لدعوة ملوكها وأهلها إلى الإسلام ، ثم بعث لها الوفود والسرايا لتعليمهم تعاليم وأحكام الدين وقرر صلى الله عليه وسلم بعث سرية بثلاثمائة فارس على رأسها علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن؛ وكانت في رمضان سنة عشرة، فأمره أن يُعسكر بقُباءَ، فعسكر بها حتى تَتَامَّ أصحابُهُ، فعقد له رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  يومئذ لواء، فأخذ عمامة فلفها مثنية مربعة فجعلها في رأس الرمح، ثم دفعها إليه، وقال: ((هَكَذَا اللّوَاءُ!))، وعممه عمامة، ثلاثة أكوار(جمع كورة العمامة، وهي إدارتها)، وجعل ذراعًا بين يديه وشبرًا من ورائه، ثم قال صلى الله عليه وسلـم : ((هَكَذَا الْعِمَّةُ!)) انظر: مغازي الواقدي (3/1079) والتي يبدو أنها كانت من لباس أهل اليمن وهذا من حنكته العسكرية ، والدراية والخبرة بأغوار النفوس وما يؤثر فيها؛ ثم أوصاه صلى الله عليه وسلم فقال"((امْضِ وَلَا تَلْتَفِتْ!)) فقال علي رضي الله عنـه: يا رسول الله، كيف أصنع؟ قال: ((إذَا نَزَلْت بِسَاحَتِهِمْ فَلَا تُقَاتِلْهُمْ حَتّى يُقَاتِلُوك، فَإِنْ قَاتَلُوك فَلَا تُقَاتِلْهُمْ حَتّى يَقْتُلُوا مِنْكُمْ قَتِيلًا، فَإِنْ قَتَلُوا مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَا تُقَاتِلْهُمْ، تَلَوّمْهُمْ (التلوم: الانتظار والمكث) تُرِهِمْ أَنَاةً، ثُمّ تَقُولُ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ إلَى أَنْ تَقُولُوا: لَا إلَهَ إلّا الله؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ فَقُلْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تُصَلّوا؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ فَقُلْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تُخْرِجُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ صَدَقَةً تردُّونها عَلَى فُقَرَائِكُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ، فَلَا تَبْغِ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَاَللهِ: لَأَنْ يَهْدِي اللهُ عَلَى يَدِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ ))" مغازي الواقدي (3/1079) وبهذا يضع  صلى الله عليه وسلـم  دستورًا لتعامله مع القوم الذين يقدم عليهم وهم كفار، أهمها هداية الناس، وأن القتال والحرب في الإسلام إنما هو وسيلة لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فخرج علي بن أبي طالب رضي الله عنـه في ثلاثمائة فارس، فكانت خيلهم أول خيل دخلت تلك البلاد، فلما انتهى إلى أدنى الناحية التي يريد- وهي أرض مَذْحِجٍ- فرَّق أصحابه، فأتوا بغنائم وسبي ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك، فجعل علي على الغنائم بُرَيْدَةَ بْنَ الْحُصَيْبِ رضي الله عنـه ، فجمع إليه ما أصابوا قبل أن يلقاهم جمعٌ، ثم لقي جمعًا فدعاهم إلى الإسلام ، فأبوا ورموا في أصحابه، ودفع لواءه إلى مَسْعُودِ بْنِ سِنَانٍ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه فتقدم به، فبرز رجل من مذحج يدعو إلى البراز، فبرز إليه الأسود بن الخزاعي السلمي، فتجاولا ساعة وهما فارسان، فقتله الأسود وأخذ سلبه، ثم حمل عليهم علي بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلًا، فتفرقوا وانهزموا وتركوا لواءهم قائمًا، فكفَّ عن طلبهم، ودعاهم إلى الإسلام، فسارعوا وأجابوا، وتقدم نفرٌ من رؤسائهم فبايعوه على الإسلام، وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله! انظر: مغازي الواقدي (3/1079-1080) والطبقات الكبير لابن سعد (2/154) ثم حسن إسلامهم "وأتى بشر منهم للدين، وعلمهم علي قراءة القرآن" مغازي الواقدي(3/1082)، ثم إن "عليًا رضي الله عنـه جمع ما أصاب من تلك الغنائم فجزأها خمسة أجزاء، فأقرع عليها، فكتب في سهم منها ((لله))، فخرج أول السهام سهم الخُمس، ولم يُنفِل أحدًا من الناس شيئًا، فكان من قبله يعطون أصحابهم- الحاضر دون غيرهم- من الخمس، ثم يخبر بذلك رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  فلا يرده عليهم، فطلبوا ذلك من علي رضي الله عنـه فأبى وقال: الخمس أحمله إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  فيرى فيه رأيه، وهذا رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  يوافي المواسم، ونلقاه ويصنع فيها ما أراه الله، فانصرف راجعًا، وحمل الخمس وساق معه ما كان ساق، فلما كان بِالْفُتُقِ(قرية بالطائف) تعجل، وخلَّف على أصحابِه والخمسِ أبا رافع رضي الله عنه ، فكان في الخمس ثياب من ثياب اليمن، ونَعَمٌ تُساق مما غنموا، ونعم من صدقة أموالهم. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه - وكان حاضرًا معه الغزوة-: كان علي رضي الله عنـه ينهانا أن نركب على إبل الصدقة، فسأل أصحاب علي رضي الله عنـه أبا رافع أن يكسوهم ثيابًا فكساهم ثوبين ثوبين، فلما كانوا بالسدرة داخلين مكة، خرج علي رضي الله عنـه يتلقاهم ليقدم بهم فينزلهم، فرأى على أصحابنا ثوبين ثوبين على كل رجل، فعرف الثياب فقال لأبي رافع: ما هذا؟ قال: كلموني فَفَرِقْت(خشيت) من شكايتهم، وظننت أن هذا يسهل عليك، وقد كان من كان قبلك يفعل هذا بهم. فقال: رأيت إبائي عليهم ذلك! وقد أعطيتهم، وقد أمرتك أن تحتفظ بما خَلَّفت، فتعطيهم! قال: فأبى علي رضي الله عنـه أن يفعل ذلك حتى جرَّد بعضهم من ثوبيه، فلما قدموا على رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  شكوا، فدعا عليًا فقال: ((مَا لِأَصْحَابِك يَشْكُونَك؟)) فقال: مَا أَشْكِيَتُهُمْ؟ قسمت عليهم ما غنموا، وحبست الخمس حتى يقدم عليك وترى رأيك فيه، وقد كانت الأمراء يفعلون أمورًا، ينفلون من أرادوا من الخمس، فرأيت أن أحمله إليك لترى فيه رأيك. فسكت النبي  صلى الله عليه وسلـم ". مغازي الواقدي (3/1080-1081))، وإمتاع الأسماع للمقريزي (2/96-98). وفي هذه الروايات وقفات: منها الأمانة التي تحلى بها صحابة رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  رضوان الله تعالى عليهم على ما ولَّاهم ، ولما اشتكى الجنود ردهم إلى طاعة أميرهم ، بل لم يسكت  صلى الله عليه وسلـم  إلا بعدما بيَّن علي رضي الله عنـه وجهة نظره فوجدها رسول الله  صلى الله عليه وسلـم  وجيهة فسكت، ثم إن علي رضي الله عنه لم يفته جانب الدعوة والحرص على هداية الناس في سريته "فلما قدم اليمن خطب بهم، وبلغ كعب الأحبار قيامه بخطبته، فأقبل على راحلته في حلة، ومعه حبرٌ من أحبار اليهود، حتى استمعا له فوافقاه، وهو يقول: " إنّ مِنْ النّاسِ مَنْ يُبْصِرُ بِاللّيْلِ وَلَا يُبْصِرُ بِالنّهَارِ ". قال كعب: صدق! فقال علي: "وَفِيهِمْ مَنْ لَا يُبْصِرُ بِاللّيْلِ وَلَا يُبْصِرُ بِالنّهَارِ". فقال كعب: صدق! فقال علي رضي الله عنـه: "وَمَنْ يُعْطِ بِالْيَدِ الْقَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْيَدِ الطّوِيلَةِ". فقال كعب: صدق! فقال الحبر: وكيف تصدقه؟ قال: أما قوله: من الناس من يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار، فهو المؤمن بالكتاب الأول ولا يؤمن بالكتاب الآخر، وأما قوله: من يُعط باليد القصيرة يُعط باليد الطويلة، فهو ما يقبل الله من الصدقات، ويحكي كعب الأحبار عما جرى بينه وبين علي لما جاء اليمن فيقول: لما قدم علي رضي الله عنـه اليمن لقيته فقلت: أخبرني عن صفة محمد؟ فجعل يخبرني عنه، وجعلت أتبسم فقال: مم تتبسم فقلت: مما يوافق ما عندنا من صفته، صدقت برسول الله  صلى الله عليه وسلـم  وآمنت به، ودعوت من قبلنا من أحبارنا، وأخرجت إليهم سفرًا فقلت: هذا كان أبي يختمه علي ويقول: لا تفتحه حتى تسمع بنبي يخرج بيثرب، قال: فأقمت باليمن على إسلامي حتى توفي رسول الله  صلى الله عليه وسلـم ، وتوفي أبو بكر رضي الله عنـه ، فقدمت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنـه ، ويا ليت أني كنت تقدمت في الهجرة! انظر: مغازي الواقدي (3/1081-1083). إنه العلم إخوة الإيمان ، إنه العلم النافع لما يقود صاحبه للحق ، وكم من متعلم يفقه الأدلة ويُبصر الحق أبلجا، لكن يُصمّه هواه وتُعمّه الفتنة والعياذ بالله ، لكن، كعب الأحبار وهو من هو علمًا وفقهًا ودرايةً، فمثله لا يدخل دينًا لمجاراة الأمور والأحداث، فهو رجل ذو عقلية كبيرة، وعلم غزير، وخبرة ودراية بالأديان، فلما رأى أمارات لا تحتاج كبير جهد حتى تتضح أسلم، بل وندم على تأخر إسلامه وقدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرحمه الله ورضي الله عنه وعن صحابة رسول الله  صلى الله عليه وسلـم ، ولانزال في اليمن الحبيب وأهلها ، أهل الإيمان والحكمة ، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري رضي الله عنها لأهل اليمن فكان في بعثهما خيرا كثيرا نقف عليه بمشيئة الله في الخطبة القادمة، رزق الله اليمن الاستقرار والنعم والنعيم والأمن والإيمان ، وجمع الله كلمة أهل اليمن على التوحيد والقرآن ، وكفاهم شر أنفسهم وشر الأشرار ومكر الكفار ، وثبتنا الله وإياهم على التوحيد حتى نلقى الله وهو راض عنا ، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين في كل مكان ، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان. أقول ما تسمعون ، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :