خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
14638993
زوار الشهر :
171441
زوار اليوم :
4917


بعثه ﷺ معاذ وأبي موسى الأشعري إلى اليمن 

السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(83) 

تاريخ الخطبة 28-4-1440هـ

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيِّنا محمد، عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أفضل صلاة وأزكى تسليم. أمَّا بعد: عباد الله! أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله  I، فالسعيد من راقب الله عَزَّ وَجَل وأحسن تعامله مع ربِّه سبحانه وتعالى، واتَّبع هدي نبيِّه  صلى الله عليه وسلم ، فالمسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج والذي لن يكون إلا باتِّباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا لتتبع سيرة نبينا وقدوتنا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم ، والوقوف على دروسها وعبرها، ومازلنا مع سلسلة خطب السيرة النبوية وواقعنا المعاصر وكنا قد تحدثنا في الخطب الماضية عن بعض الأحداث في أواخر السنة التاسعة وبدايات السنة العاشرة من هجرته صلى الله عليه وسلم ، وكان من أبرزها وفاة أم كلثوم وفاة أم كلثوم رضي الله عنها ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وزوجة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، ثم هلاك عبدالله بن أُبي بن سلول زعيم المنافقين، ومنها أيضا اهتمامه صلى الله عليه وسلم باليمن وأهلها فإسلام واجتماع أبناء اليمن وتوحيد كلمتهم هدف إسلامي استراتيجي منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بل وفي كل زمان ، لذا كانت من البلاد التي أرسل لها صلى الله عليه وسلم الرّسل وكتب الرسائل لدعوة ملوكها وأهلها للإسلام ، ثم بعث لها الوفود والسرايا لتعليمهم تعاليم وأحكام الدين ، وقرر صلى الله عليه وسلم بعث سرية بثلاثمائة فارس على رأسها علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن فاتحًا وناشرًا لدين الله في الآفاق، وكانت في رمضان سنة عشر ، وها هي الخطبة الثالثة والثمانون نواصل فيها الحديث عن اهتمامه صلى الله وسلم باليمن وأهلها وحرصه على نجاتهم، فهو يعلم حاجتهم لمن يشرح لهم قواعد هذا الدين، ويُزيل به عنهم ظلمات الوثنية والشرك، ويبسط لهم أحكام الدين، ويبين لهم الحلال والحرام، فقد واصل بعوثه صلى الله عليه وسلم فبعث معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما إلى اليمن داعيين إلى الله ومعلمين وهاديين ، وهذا البعث خاصة من أعظم مواقف السيرة إذ به من حِكَم الدعوة وبيان أهدافها الكثير ، يظهر ذلك من خلال وصاياه  صلى الله عليه وسلم  للصحابيين حين أرسلهما ، فإنه لما مات باذام والي اليمن فرَّق رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عمالها بين شهر بن باذام، وعامر بن شهر الهمداني، وغيرهم، وجعلهم على بعض نواحيها، ثم بعث معاذَ بن جبل معلِّما لهم، فقال له موصيًا: ((يا مُعَاذُ إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ وإنَّهم سَائِلوكَ عَنْ مَفَاتِحِ الجَنَّةِ، فَأَخَبِرهُم أنَّ مَفَاتِحَ الجَنَّةِ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وأنَّهَا تَخْرِقُ كُلَّ شيءٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَاْ تُحْجَبُ دُونَهُ، مَنْ جَاءَ بِهَا يَومَ القِيَامةِ مُخْلِصًا رَجَحَتْ بِكُلِ ذَنْبٍ)) انظر: المنتظم لابن الجوزي (4/6-7) فأكد صلى الله عليه وسلم أن أول ما يُدعى إليه الناس هو التوحيد ،  وأنها دعوة باقية مع بقاء الخلق، وحتى يجمع الله الخلائق ليوم الفصل، فالتوحيد أصل الأصول ونجاة العباد في الدنيا والآخرة ، وهو سبب سعادتهم في الدارين، بل لا خير ولا فلاح ولا نجاة لمتخلف عن التوحيد، كما قال تعالى : { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }[الزمر:65] وتتوالى توجيهات ونصائح النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ، فقد سأل معاذ رضي الله عنه: أرأيتَ ما سُئلتُ عنه واختُصِمَ إليَّ فيه مما ليس في كتاب الله ولم أسمع منك سنة؟ فقال: ((تَوَاضعْ للَّه يَرفَعْكَ، وَلَاْ تَقْضِينَ إِلا بِعِلمٍ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَسَلْ وَلَاْ تَسْتَحِي، واسْتَشِر ثُمَّ اجْتَهِد، فَإنَّ الله إِنْ يَعْلَم مِنْكَ الصِّدقَ يُوفِّقُكَ، فَإنْ التَبَسَ عليكَ فَقِفْ حتَّى تَتَبَينَهُ أَو تَكْتُبْ إليَّ فِيهِ، وَاحْذَر الهوَى فَإنَّه قائدُ الأشْقِياءِ إلى النَّارِ وَعَليْكَ بالرِّفْقِ))" انظر: المنتظم لابن الجوزي (4/6-7)، ما أعظم توجيهاته صلى الله عليه وسلم وصايا تُكتب بماء الذهب، ما أحوجنا إليها في واقعنا المعاصر ، فقد وضع  صلى الله عليه وسلم  لمعاذ وللأمة من بعده دستور الفهم للشرع والعلم بأحكامه. ثم خرج رسول الله  صلى الله عليه وسلم  مع معاذ، ومعاذ راكبٌ ورسول الله  صلى الله عليه وسلم  يمشي تحت راحلته، بأبي هو وأمي ما عرفت البشرية سماحة أو تواضعًا أو لينًا مثله عليه الصلاة والسلام! ثم ودّع معاذ، فقال: ((يَا مُعَاذُ إنَّكَ عَسى أَلَا تَلقَانِي بَعْدَ عَاميِ هَذا ولَعَلَكَ تَمُرُ بمسْجِدي هذا وَقَبْرِي))، فبكى معاذ خشعًا لفراق رسول الله  صلى الله عليه وسلم  انظر: المنتظم (4/7)) وهذا من دلائل نبوته وأعلامها حيث وقع كما أخبر رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فلم يلتقيا بعد هذا اللقاء قط، فإن معاذًا رضي الله عنه أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع، ثم كانت وفاته النبي  صلى الله عليه وسلم  بعد واحد وثمانين يومًا من يوم الحج الأكبر. ولما ودّع صلى الله عليه وسلم معاذ التفت وأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: ((إنَّ أَوْلَى النَّاسُ بي المتقونَ مَنْ كَانوا وَحَيْثُ كانوا)). فلا نسب ولا قرابة ولا أرض، إنما هي التقوى كما قال الله عَزَّ وَجَل {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ}[الأنفال: 34] وكذلك أمر رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عمال اليمن جميعًا، فقال: ((تَعَاهَدُوا النَّاسَ بالتَذكِرةِ واتبعوا الموعظةَ فإنَّها أقوى للعاملينَ عَلى العملِ بِمِا يُحبُ اللهُ))". المنتظم لابن الجوزي (4/7)) ، فما أحوج كل موظف ومسؤول للوعظ والنصح والتذكير بين الفينة والفينة ، فإن القلوب تصدأ والنفوس تغفل ، فهذا منهجه صلى الله عليه وسلم {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}[الذاريات:55] فقد كان  صلى الله عليه وسلم  يوصي عماله كلهم بتقوى الله عَزَّ وَجَل ، وعدم تجاوز أحكام الشرع في معاملة الناس، وعدم الظلم في سياستهم، وهذا عام شامل نافع لكل مؤمن، فبه تلين القلوب الجامدة، وتخشع الأنفس الجاحدة! وفي صحيح البخاري "بعث رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أبا موسى، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وبعث كل واحد منهما على مخلاف(إقليم)، واليمن مخلافان، ثم قال: ((يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا))، فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحدٍ منهما إذا سار في أرضه كان قريبًا من صاحبه أحدث به عهدًا، فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، وإذا هو جالسٌ، وقد اجتمع إليه الناس وإذا رجل عنده قد جُمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس أَيُّمَ(أي شيء)هَذَا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يُقتل، قال: إنما جيء به لذلك فانزل، قال: ما أنزل حتى يُقتل، فأمر به فقتل، ثم نزل فقال: يا عبد الله، كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوَّقه تفوقًا(ألازم قراءته ليلا ونهارا شيئا بعد شيء ولا أقرأ وردي دفعة واحدة)، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. البخاري (4341). سبحان الله لله دركما مبعوثان يتناصحان ويتعاونان ويتدارسان القرآن لما فيه مصلحة المسلمين ممن ولّاهما رسول الله عليهم ، إنها الأمانة   ((إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)) قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)) البخاري (6496). أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أحسن الاختيار وأحسن البعث ومع ذلك أوصاهما ونصحهما معا، ثم خصَّ كلَ واحد منهما بنصح خاص، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي  صلى الله عليه وسلم  بعثه إلى اليمن، فسأله عن أشربة تُصنع بها، فقال: ((وَمَا هِيَ؟)) قال: البِتْعُ وَالمِزْرُ، فقلت لأبي بردة: ما البتع؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير، فقال صلى الله عليه وسلم : ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ))" البخاري(4343) وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لما بعث معاذًا رضي الله عنه على اليمن، قال: ((إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ)) البخاري (1458)) ومسلم(31) وصايا نبوية بالتدرج والبدء بالأهم فالمهم، فأولًا ترسيخ الإيمان بالله تعالى ورسوله في القلوب، حتى يصير مهيمنًا على الأفكار والسلوك، ثم بعد ذلك تطبيق أركان الدين العملية التي تُرسخ هذا الإيمان وتنميه، ثم الأمر بالواجبات والنهي عن المحرمات، فبهذا التدرج، وتلك الحكمة، يتقبل الناس تكاليف الإسلام التي قد تكون مخالفة لهوى النفس؛ فقلوبهم قد عَمُرت بالإيمان واليقين قبل الفرائض، وهكذا الحكمة فالناس أحوج أولا لترسيخ الإيمان وعمارة القلوب باليقين برب العالمين حتى لا تثقل عليهم الفرائض وأحكام الشرع ، خاصة عند انتشار الملاهي والفتن التي تُضعف القلوب ، نسأل الله أن يُصلح قلوبنا وأن يعمرها بالإيمان واليقين ، وأن يُمكن لهذا الدين ، وأن يبلغ نوره وحلاوته مشارق الأرض ومغاربها، ورزق الله اليمن الاستقرار والنعم والنعيم والأمن والأمان والإيمان وجمع الله كلمة أهل اليمن على التوحيد والقرآن وكفاهم شر الأشرار وشر أنفسهم ومكر الكفار ، وثبتنا الله وإياهم على التوحيد حتى نلقى الله وهو راضٍ عنا. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :