خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
14910912
زوار الشهر :
199718
زوار اليوم :
2609


حجة الوداع(1) 

السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(84) 

تاريخ الخطبة 12-5-1440هـ

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله! فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، تمسكوا بالكتاب وبسنة رسولكم صلى الله عليه وسلم وتعلموا سيرة حبيبكم وأسوتكم وقدوتكم ، وما زلنا مع سلسلة خطب السيرة النبوية وواقعنا المعاصر، وكنا قد تحدثنا في الخطبة الماضية عن بعثه صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ثم معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري ثلاثتهم لليمن داعين إلى دين الله ومعلمين وهادين ، وها هي الخطبة الرابعة والثمانون نواصل فيها الحديث عن أبرز حدث في السنة العاشرة من الهجرة النبوية وهو حجة الوداع ، فقد عزم صلى الله عليه وسلم على الحج ، وكنا قد أشرنا من قبل لانتهاء العهود المعطاة للمشركين، فلم يعد بإمكانهم أن يدخلوا المسجد الحرام، وكان ذلك أواخر العام التاسع الهجري، وقد أبلغهم بذلك علي  رضي الله عنه  يوم النحر في حجة السنة التاسعة التي لم يحضرها النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: سيرة ابن هشام (2/545). فلما كانت السنة العاشرة وعزم النبي  صلى الله عليه وسلم  على الحج "أَذَّنَ فِي النَّاسِ(أعلمهم وأشاع بينهم)، أَنَّ رَسُولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلم " مسلم (1218). خرجوا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لينظروا إلى حجه، ويقتدوا به، وكان خروجه  صلى الله عليه وسلم  مع أصحابه لخمس بقين من ذي الحجة. البخاري (1545). فسار بأصحابه حتى أتوا ذا الحليفة، "فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهم أجمعين، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلم : كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ:((اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ(تتعصب به، وتشد عليها؛ حتى لا يخرج شيء من هذا الدم) وَأَحْرِمِي))" وهذا يدل على حرص الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على السؤال في أحكام دينهم دون تردد أو خجل ، فأخبر صلى الله عليهم وسلم أسماء رضي الله عنها أن دم النفاس لا يمنع انعقاد الإحرام ، ثم صلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في مسجد ذي الحليفة، "ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ ((لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ))" مسلم (1218). وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي  صلى الله عليه وسلم  لما "اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ" مسلم (1184). فعل ذلك، وفي بعضها أن إهلاله  صلى الله عليه وسلم  كان عقب الصلاة، ولا منافاة بينها، فلعل النبي  صلى الله عليه وسلم  أهلَّ في تلك المواضع كلها، فنقل كل أحد ما سمع. انظر: فتح الباري (3/401). وقد رفع النبي  صلى الله عليه وسلم  صوته بالتلبية، وأمر أصحابه بذلك وكان يقول: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ- أو قال: - بِالتَّلْبِيَةِ)) يريد أحدهما. أبو داود (1814)، وصححه الألباني. ولهذا كان من السنة الامتثال لأمر النبي  صلى الله عليه وسلم  في هذا الموضع، ورفع الصوت بالتلبية، وكان الصحابة أسرع الناس امتثالًا لأمر النبي  صلى الله عليه وسلم ، فهذا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا" مسلم (1247). وهذا في حق الرجال، أما المرأة فتسر بها، لأنها مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك. وهذه التلبية التي رفع بها النبي  صلى الله عليه وسلم  صوته، إنما هي إعلان بالتوحيد الخالص لله  عَزَّ وَجَل ، كما أن فيها الثناء عليه  سبحانه وتعالى  بالحمد والنعمة، فهو  سبحانه وتعالى  المتفضل بهما على سائر خلقه، وكان الصحابة في تلك الحال، قد تكاثروا حول النبي  صلى الله عليه وسلم  حتى قال جابر: "نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ، مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ" مسلم (1218). وقد قُدر عدد الصحابة الذين خرجوا مع النبي  صلى الله عليه وسلم  في حجة الوداع أو انضموا إليه في الطريق، بمائة ألف أو يزيدون. انظر: المواهب اللدنية (1/435). سبحان الله ، خرج صلى الله عليه وسلم من مكة طريدا وحيدا غريبا ، وها هو الآن يعود إليها في السنة العاشرة من هجرته صلى الله عليه وسلم بمائة ألف أو يزيدون ، إن في ذلك عِبَرا وأي عِبَر ، فدين الله منصور ومرتفع مهما أرجف المبطلون ، ومهما تآمر المشركون ، ومهما مكر المنافقون ، {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}[الصافات:173] ، وكان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم خرجوا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لا ينوون إلا الحج، كما قال جابر: "لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ" مسلم (1218). لأن الناس حينها لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج، حتى جاء الإسلام. انظر: إكمال المعلم (4/270). ولهذا خرجوا مفردين بالحج، استصحابًا لما كانوا عليه أول الجاهلية من كون العمرة محظورة في أشهر الحج، ومن أفجر الفجور. انظر: عون المعبود (5/255). فساروا مع النبي  صلى الله عليه وسلم  حتى قدموا مكة، وكان ذلك "لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ" البخاري (7230). فلما قدموا مكة، وأتى النبي  صلى الله عليه وسلم  البيت "اسْتَلَمَ(أي: مسح وقبَّل بدون إيذاء، وإلا أشار من بعيد) الرُّكْنَ(الحجر الأسود) فَرَمَلَ(إسراع المشي مع تقارب الخطا) ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ (بلغه ماضيا في زحام) إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ  عليه السلام ، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: 125] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، وقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ" مسلم (1218). قال جابر: "ثُمَّ خَرَجَ  صلى الله عليه وسلم  مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ:﴿إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ [البقرة: 158] ((أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ))" مسلم (1218). "فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)) ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ: مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ(انحدرت) قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا(ارتفعت قدماه عن بطن الوادي) مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا" مسلم (1218). قال جابر: "حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: ((لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً))" مسلم (1218). ولما جاء علي من اليمن بإبل النبي  صلى الله عليه وسلم  ووجد فاطمة تحللت واكتحلت بعد أمر النبي  صلى الله عليه وسلم  لهم، أنكر ذلك عليها، فأعلمته أن النبي  صلى الله عليه وسلم  أمرها بذلك، فلما ذهب للنبي  صلى الله عليه وسلم  يسأل عن صنيعها أقرها النبي  صلى الله عليه وسلم  وقال لعلي: ((إِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ)) مسلم (1218). "فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم  وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ" مسلم (1218). ثم انطلق النبي  صلى الله عليه وسلم  من مِنًى، وأمر أصحابه أن يضربوا له قُبَّه بنَمِرة، وهو موضع بقرب عرفات، فسار  صلى الله عليه وسلم  حتى جاوز المشعر الحرام (جبل بمزدلفة)، ولم يقف عنده كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فخالفهم  صلى الله عليه وسلم ، وهذا من قوته في دين الله، "فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ (ناقته)، فَرُحِلَتْ لَهُ (وضع عليها الرحل)، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي(وادي عرنة)، فَخَطَبَ النَّاسَ" فكما علَّمهم  صلى الله عليه وسلم  مناسك الحج عمليًا، ضمّن عليه تلك الخطبة من الحكم البليغة والمواعظ الجامعة البديعة. بل قرَّر  صلى الله عليه وسلم  في هذه الخطبة قواعد الإسلام، فكان مما قال  صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا)) مسلم (1218). وأيضا مما قال ((أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ)) مسلم (1218). فهي القطيعة الباتة بين ما كان قبل إشراقة شمس هذا الدين من أمر الجاهلية، وبين ما أشرقت عليه شمس البعث والهداية بمجيئه  صلى الله عليه وسلم  مبعوثًا من الله؛ لتخليص البشرية من أدران الجاهلية، ولذا أعلن صلى الله عليه وسلم ((دِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ)) مسلم (1218). فهذه الدماء حصلت بين أهل الجاهلية كلها موضوعة، لا حُكم لها، ولا قصاص، ولا دية، ولا شيء، فلا يُطالِب به أحدٌ، وما جرى من الربا في الجاهلية موضوع كله، وأول ما أبطله منه  صلى الله عليه وسلم  ربا عمه العباس  رضي الله عنه ، فقد كان غنيًا يُرابي، فوضع النبي  صلى الله عليه وسلم  رباه كله، فإن أول ما قضى عليه من أمور الجاهلية ما كان متصلًا بأقاربه، ثم انتقل النبي  صلى الله عليه وسلم  لقضية المرأة، تلك التي كانت منتهكة الحقوق في الجاهلية، يستعبدها الرجال، ويمنعوها الميراث، فهدم الإسلام قواعدهم الجائرة، فقال عليه الصلاة والسلام ((فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ))، مسلم (1218). ثم بيَّن النبي  صلى الله عليه وسلم  حق الزوجين على الآخر فقال: ((وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) مسلم (1218). فما أحوج بيوتنا اليوم أن تتمسك بتلك التعاليم النبوية وأن يعرف الناس واجباتهم وحقوقهم ، حتى يؤدي كل واحد ماله وما عليه ، إن أرادوا السعادة واستقامة الحياة ، كما قررها الله سبحانه وتعالى ، وكما وجّه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال ((وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ)) مسلم (1218). فإن اعتصمتم بالقرآن، وتمسكتم بتعاليمه، ووقفتم عند حدوده، عصمكم من الضلال في الدنيا، ومن الشقاء في الآخرة، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: 123]، ثم وجّه النبي  صلى الله عليه وسلم  في تلك الخطبة سؤالًا لأصحابه فقال: ((وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟)) مسلم (1218). وسُآلُ الناس عن ذلك إقامة للحجة عليهم، وإلا فربنا  عَزَّ وَجَل  يعلم أن رسوله  صلى الله عليه وسلم  بلَّغ البلاغ المبين، فأجاب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: " نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ ((اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" مسلم (1218). فلما انتهى  صلى الله عليه وسلم  من خطبته، "أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا" مسلم (1218). "ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم ، حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ (المكان الذي أختاره ليقف فيه)، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ(صخرات أسفل جبل الرحمة، بوسط عرفات)، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ(أي: طريقهم) بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا" مسلم (1218). فقد صح عنه  صلى الله عليه وسلم  أنه قال: ((وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ)) مسلم (1218/149).  وهذا من تيسيره  صلى الله عليه وسلم  على أمته، وفي هذا الموضع المبارك أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: 3] آخر آية من كتاب الله ، لتُعلن بعد ذلك نهاية الحبيب صلى الله عليه وسلم أو قرب نهايته ، كما قال عمر  رضي الله عنه : "إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ مَكَانٍ أُنْزِلَتْ، أُنْزِلَتْ، وَرَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ" البخاري(4407)، ومسلم (3017)، فكانت الآية إيذانا من ربنا  سبحانه وتعالى  بإتمام البلاغ، وإكمال الرسالة منه  صلى الله عليه وسلم . فاللهم دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين في كل مكان ، اللهم حبب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا ، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :