خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
13888940
زوار الشهر :
371576
زوار اليوم :
3856


مرض الرسول ﷺ

السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة(86) 

تاريخ الخطبة 3-6-1440هـ

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أفضل صلاة وأزكى تسليم. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه  صلى الله عليه وسلم ، فالمسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج والذي لن يكون إلا باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا لتتبع سيرة حبيبنا ونبينا محمد  صلى الله عليه وسلم ، والوقوف على دروسها وعبرها، فبفضل الله تعالى ندخل اليوم في الفصل الأخير من هذه السيرة العطرة ، فما تبقى سوى خطب عن مرضه ووفاته ودفنه صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن الحديث عن هذا الفصل ، حدث عظيم، وخطب جليل، تتصارع فيه الأشجان، وتتداعى له الأحزان، وتفيض من ذكراه الدموع، مشاهد ثلاثة، من أصعب المشاهد التي مرت على تاريخ الأمة؛ (مرض الحبيب  صلى الله عليه وسلم )، و(موت الحبيب  صلى الله عليه وسلم )، و(دفن الحبيب  صلى الله عليه وسلم )، معاشر الكرام: إن النفوس الزكية والقلوب الطاهرة النقية التي ملأ الإيمان عليها جوانبها وأركانها، يمكنها أن ترى بقدرة الله ما هو مخبوء لها عند رب البرية، عبر ما تعايشه من مواقف وأحداث، وآيات وعلامات؛ ذلك أن حياته  صلى الله عليه وسلم  كانت موقوفة بإتمام الرسالة، والقيام بمهمة البلاغ، فلما بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة، ورأى بشائر نشر دينه قد أضاءت بقاع الأرض، نزل قول الله تعالى:]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً[[المائدة: 1]، ففرح بعض الصحابة "وظنوا أنها إخبار وبشرى بكمال الدِّين، ولكن عمر رضي الله تعالى عنه بكى وقال: مَا بَعْدَ الْكَمَالِ إِلَّا النَّقْصُ" تفسير الماتريدي (1/210) فكانت هذه الآية دليلاً على أن حياته  صلى الله عليه وسلم  في هذه الدنيا أوشكت أن يغرب شمسها، ويذهب ضوؤها، ولقد أيقن النبي  صلى الله عليه وسلم  ذلك، فيما أخرجه الإمام الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن الفضيل بن عِيَاض قَالَ: لما نزلت ]إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح[ إِلى آخر السُّورَة قَالَ مُحَمَّد  صلى الله عليه وسلم : يَا جِبْرِيل نعيت إليَّ نَفسِي فقال له جبريل: ]وللآخرة خير لك من الأولى[ [الضحى: 4]، الدر المنثور في التفسير بالأثور (8/664) ومنذ تلك اللحظات أيقن النبي صلى الله عليه وسلم  بالفراق، وها هي الأيام تمضي ويُقبل شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة النبوية، حيث بدأ النبي  صلى الله عليه وسلم  يشتكي بعضًا من ألم الصداع الذي يجده في رأسه بعد زيارته لأهل البقيع، فأنه صلى الله عليه وسلم لما أيقن بدنو الأجل وقُرب الرحيل أراد أن يزور أهل البقيع، فنادى مولاه وقال له: يا أبا مويهبة ((إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ فَانْطَلِقْ مَعِي))، يقول أبو مويهبة: "فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ، لِيُهْنِكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنْهُ أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطْعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا: الْآخِرَةُ أَشَرُّ مِنَ الْأُولَى))، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدِ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةُ، فَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي)) قُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، خُذْ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةَ قَالَ: ((لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي))" سيرة ابن هشام (2/642)، ثم رجع النبي  صلى الله عليه وسلم  من زيارته لأهل البقيع وبدأت علامات الرحيل بصداع كان يشتكيه في الرأس، فدخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ووجدها تشتكي صداعًا وتقول: "وَا رأساه، فَقَالَ: ((بَلْ أَنَا وَاَللَّهِ يَا عَائِشَة وَا رأساه))، ومع آلمه وتعبه أراد أن يمازح زوجته أم المؤمنين؛ ليخفف عنه ما هي فيه فقال لها: ((وَمَا ضَرّكِ لَوْ مُتِّ قَبْلِي، فَقُمْتُ عَلَيْكِ وَكَفَّنْتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ؟)) فقَالَتْ له: وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي بِكَ، لَوْ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ، لَقَدْ رَجَعْتَ إلَى بَيْتِي، فَأَعْرَسْتَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكَ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم " سيرة ابن هشام 2/643) ثم ذهب إلى زوجاته يسأل عنهن، ويطمئن على أحوالهن، وينتقل كل ليلة عند زوجة من زوجاته، فلما استحكم منه المرض واشتد عليه الألم، أخذ يسأل كل واحدة منهن : ((أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟)) البخاري (1389، ومسلم (2443)، "ففطنت لذلك امرأة منهن فقالت إنما يسأل عن يوم عائشة رضي الله عنها ، فقلن: يا رسول الله قد أَذِنَّ لك أن تكون في بيت عائشة، فإنه يشق عليك أن تُحمل في كل ليلة، فقال صلى الله عليه وسلم : وقد رضيتن بذلك فقلن: نعم" (قوت القلوب لأبي طالب المكي 2/407) تقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : "لمَّا ثقُلَ النَّبِيُّ، وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ" البخاري (198)، و مسلم  (418)، فبقي النبي صلى الله عليه وسلم  بقية أيامه عند عائشة رضي الله عنها ، سبحان الله أي وفاء؟ أي عدل؟ فهو صلى الله عليه وسلم في أصعب لحظات حياته من الألم والمرض ، ومع ذلك يحرص على العدل بين زوجاته، بل يمر على كل واحدة منهن ليعطيها حقها من المبيت، فلم يشأ أن يبيت حيث شاء، فهو القائل: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، يَمِيلُ مَعَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ)) ابن ماجه (1969)، وصححه الألباني، ولا عجب في هذا فهو علمنا أسمى معاني الوفاء والعدل بين الزوجات؟ فمع حرصه المتناهي على العدل كان يقول: ((اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي، فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي، فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ)) أبو داود (2134) وصحح إسناده الأرنؤوط ألا فلتتقوا الله في نسائكم وأزواجكم، ولتعلموا أن تعمّد الميل إلى واحدة دون الأخرى من أعظم الظلم والخسران يوم القيامة، استأذن e جميع نسائه فلما أذِنّا له أن يُمرض في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها "خَرَجَ  صلى الله عليه وسلم  يَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِهِ، أَحَدُهُمَا الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، والآخر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، عَاصِبًا رَأْسَهُe، تَخُطُّ قَدَمَاهُ، حَتَّى دَخَلَ بيت عائشة سيرة ابن هشام (2/649) ثُمَّ غُمِرَ (أَصَابَته غمرة الْمَرَض، وَهِي شدته) وَاشْتَدَّ بِهِ الوجع، فقامت بجواره لا تفارقه، لكن الألم يزداد والحمى تشتد عليه e، وهو صابر راض بما قضاه الله وقدره، ومع ازدياد الألم يزداد الصحابة حزنًا وخوفًا على رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، فهرعوا إليه يعودونه ويزورونه فقال لهم: ((ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا))، لكنهم اختلفوا ، فَقَالَ لهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : ((دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ)) البخاري (4431)، يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: " إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ، مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ، لِاخْتِلاَفِهِمْ وَلَغَطِهِمْ" البخاري (4432)، فيا ليت قومي يعلمون أن الخلاف باب شر لا ينبغي فتحه ولا طرقه، وإلا ستتجرع الأمة كؤوسًا من الفرقة والشقاق والتناحر والنزاع والضعف كما يشهد واقع الحال والله المستعان، لذلك أمرنا الله بالاعتصام وحذرنا من الفرقة والخلاف فقال تعالى: ]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[ [سورة آل عمران: 103]، وقال تعالى: ]وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[ [آل عمران:105] ، فإذا ما أردنا قوة لأمتنا وازدهارًا وعزة ومنعة فعلينا بالوحدة علينا بالاجتماع والتعاون والتلاحم كما قال الحق عَزَّ وَجَل: ]وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[ [الأنفال:46].

بفضل التعاون أرست أمم *** صروحًا من المجد فوق القمم

فلم يُبن مجد على فرقة *** ولن يرتفع باختلاف علم

وكل الأيادي إذا اجتمعت *** دنا المجد حتمًا لنا وابتسم

عباد الله: لما زاد الألم على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وخيَّم الحزن على أهله وأصحابه، أراد أن يوصي أصحابه، فقال لأهله : ((هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ))البخاري (198)، تقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : فَأَقْعَدْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ (إِنَاء يغْتَسل فِيهِ) لِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، ثُمَّ صَبَبْنَا عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى طَفِقَ يَقُولُ: ((حَسْبُكُمْ حَسْبُكُمْ)) سيرة ابن هشام (2/649)، فلما أحس بشيء من النشاط، عصب رأسه  صلى الله عليه وسلم  وخرج إلى الصحابة رضي الله عنهم وقد فزعوا فزعًا شديداً "فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا ذَكَرَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ذَكَرَ أَصْحَابَ أُحُدٍ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ، ثُمَّ أوصى بالأنصار خيرًا فقال: ((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّكُمْ أَصْبَحْتُمْ تَزِيدُونَ وَالْأَنْصَارُ عَلَى هَيْئَتِهَا لَا تَزِيدُ، وَإِنَّهُمْ عَيْبَتِي(موضع ثقتي وسري) الَّتِي أَوَيْتُ إِلَيْهَا، فَأَكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ)) انظر: سيرة ابن هشام (2/650)، ثم حذر الأمة من صنيع اليهود والنصارى فقال: ((لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا)) البخاري (1330) ((فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)) ، وكان مما قاله  صلى الله عليه وسلم  في تلك اللحظات الأخيرة : ((ألَا فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ لَهُ مَالًا فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ، وَلَا يَقُولَنَّ قَائِلٌ: أَخَاف الشحناء من قبل رَسُول الله، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي وَلَا مِنْ خُلُقِي، وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مِنْ أَخَذَ حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيت الله  عَزَّ وَجَل  وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلِمَةٌ)) السيرة النبوية لابن كثير (4/457).

لك يا رسول الله صدقُ محبةٍ * * * وبفيضها شهِد اللسانُ وعبّرا

صلى الله وسلم على حبيبنا وعلى قدوتنا وعلى أسوتنا ، ألا فلتشهد الدنيا بأسرها إلى أي حد بلغ العدل والمساواة في الإسلام، هكذا كان خُلقه عليه الصلاة والسلام ، ثم أوصى الأمة بالمحافظة على الصلاة فقال: ((الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)) أبو داود (5156)، وصححه الألباني، قال علي -  رضي الله عنه عن هذه الكلام-: "كَانَ آخِرُ كَلَامِه" فالصلاة آخر وصية له صلى الله عليه وسلم ، فكيف أحوالنا مع الصلاة؟ فلا يكاد يبقى اليوم للمسلم عمل صالح يصله بربه على الدوام إلا تمريغ الأنف وتعفير الجبين لرب العالمين ، فهل حفظناها أم ضيعناها؟ فاللهم اجعل الصلاة قُرة عيوننا ، وراحة قلوبنا ، وجلاء همومنا ، واغفر لنا تقصيرنا فيها وضعفنا ، فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم ، من وصاياه أراد أن يهيئ نفوس أصحابه لفراقه ورحيله فقال لهم ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَدْ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْد الله فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ))، فَفَهِمَهَا أَبُو بَكْرٍ  رضي الله عنه  مِنْ بَيْنِ النَّاسِ فَبَكَى وَقَالَ: بَلْ نَحْنُ نَفْدِيكَ بِأَنْفُسِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَمْوَالِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم : ((عَلَى رِسْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ! انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا عِنْدِي أَفْضَلَ فِي الصُّحْبَةِ مِنْهُ)) السيرة النبوية (4/453، 454) وذلك لمكانة أبي بكر الصديق وفضله،

الثَّانِي التَّالِي الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ *** وَأَوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا

معرفة الصحابة لأبي نعيم (1/25)

 أيها المسلمون: ما أقصى لحظات الوداع وأي وداع ، فكلماته صلى الله عليه وسلم وصية مودع ، فوالله لا أحتمل الحديث عن وفاته الآن بعد ألف وأربعمائة عام ، فكيف احتمل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم تلك اللحظات ، وكيف استطاعوا فراقه ، كيف حالهم ، كيف مشاعرهم ، كيف وجدهم وحزنهم ، كيف استقبلوا خبر وفاته ، كيف كان وقع المصيبة ، آه لحالهم آه لهم ولحالهم ، فأنا أحمل من الآن هم الحديث عنها في الخطبة القادمة بمشيئة الله ، فكيف بمن عايشها ، كيف بمن اكتحلت عيناه بعين الحبيب صلى الله عليه وسلم ، بأبي هو وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاللهم اجبر قلوبنا واجبر مصيبة امتنا ، اللهم اجبر قلوبنا واجبر مصيبة امتنا ، ومصيبة كل مسلم ومسلمة ، فكل مصيبة بعده صلى الله عليه وسلم تهون ، إي والله كل مصيبة بعده صلى الله عليه وسلم تهون . اللهم اجمعنا بحبينا صلى الله عليه وسلم بجنات الفردوس برحمتك يا أرحم الراحمين ، اللهم لا تحرمنا بذنوبنا وتقصيرنا مرافقته وجيرته صلى الله عليه وسلم بجنات النعيم ، اللهم أسقنا من يده الشريفة ماء الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبدا . أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :