خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
16989567
زوار الشهر :
35777
زوار اليوم :
380


قيم وأخلاقيات العمل(4) المحافظة على المصالح والأموال العامة: في 5/2/1428هـ

الحمد لله حمد الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للناس أجمعين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن سلك سبيلهم إلى يوم الدين، أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله حقيقة التقوى، واعلموا أن أقدامنا على النار لا تقوى، وتذكروا دائمًا أن حقيقة التقوى في السلوك والتطبيق، وليس مجرد التأثر والتصديق، وقد كان لنا حديث سابق عن قيم وأخلاقيات العمل، وبدأنا: (بالوفاء بالعقود والعهود)، ثم فضيلة (الأمانة)، ثم (الصدق)، واليوم سنتحدث عن فضيلة رابعة من قيم وأخلاقيات العمل، وهي فضيلة عظيمة وهامة، كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة، حتى أصبحت ظاهرة تهدد المال العام، إنها فضيلة المحافظة على المصالح والأموال العامة في المؤسسات والشركات، والمدارس والهيئات والوزارات، فتنفيذ العقود والالتزام بالمواثيق واتباع القوانين والنظم المرعية, يشكل الإطار الأساسي والضامن الرئيس للمحافظة على المصالح والأموال العامة. فما المقصود بالمصالح والأموال العامة؟ إنها: كل ما تعود ملكيته أو منافعه لمجموع الناس، والذي تشرف في العادة على إدارته الحكومات وموظفوها. ويمكن أن يقال أيضًا: إنها كل ما لا تعود ملكيته لأفراد محددين. والمحافظة عليها تعني: رعايتها، والتصرف حيالها على وجه يستمر معه بقاؤها, ويدوم نماؤها, وذلك في إطار ما هو مقرر ومعمول به. ولو تأملنا في نصوص الوحيين من القرآن والسنة لوجدنا حثها وتأكيدها على وجوب المحافظة على المصالح والأموال العامة والتحذير من خيانتها، ومن ذلك: قول الله تعالى: ] وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [. قال جمهور المفسرين: معنى يغل: يخون. وذلك أنهم فقدوا قطيفةً يومَ بدر, فقال أحدهم: لعل رسول اللهr أخذها, فأنزل الله تعالى: ]وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ..[. والغلول هو: الخيانة في المغنم وغيره مما يُعد ملكًا عامًا. قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )). وقد شدد r في أمر المال العام تشديدًا قلّ نظيره في أي أمر من الأمور إلى درجة تحذير الموظف من أخذ ما ليس له مهما كان صغيرًا, ولو كان إبرة كما في قوله: (( مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )). فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قال: ((وَمَا لَكَ))؟ قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا!! قَالَ: وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ : (( مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى )). ووضح r في حديث آخر خطورة السرقة من المال العام, وبيّن أن الموت في سبيل الله لا يحول بين المؤمن وبين المساءلة والمعاقبة على شيء أخذه من ذلك المال, حيث قال عمر بن الخطابt : لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ r فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: ((كَلَّا إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةٍ )). وذكر r في حديث آخر هول الفضيحة التي يتعرض لها السارق والغالّ من المال العام حين يأتي يوم القيامة وقد حمل على عاتقه ما كان قد سرقه في الدنيا, فقد قال أبو هريرةt: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ r ذَاتَ يَوْمٍ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ ثُمَّ قَالَ: (( لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ،...لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ )). ويحذرr مرة أخرى الموظف المسلم من الاستخدام الشخصي لما بين يديه من أشياء وأدوات كالسيارات, والأدوات المكتبية، ونحو ذلك مما تعود ملكيتها للأمة أو للعمل الذي يعمل فيه, ويذكّر ذلك الموظف بإيمانه بالله واليوم الآخر لعل الإيمان يحجزه عن الوقوع في ذلك, فيقولr: ((وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ )). وقال رسول اللهr : (( مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)). ففي هذا الحديث يحض النبي r المسؤولين والمدراء على اختلاف مراتبهم على بذل الجهد في إسداء النصح للرعية والمرؤوسين, ويُنبههم إلى أن غشهم يترتب عليه الحرمان من دخول الجنة مع السابقين. وحين سأل أبو ذر الرسولَr أن يستخدمه في عملٍ للدولة حذره من ثقل الأمانة وعدم التمكن من النهوض بالمسؤولية, فعَنْ أَبِي ذَرٍّ t قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: (( يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا )). وذكر r تحرزه وحرصه الشخصي من أن يأكل شيئًا حرمه الله عليه ولو كان صغيرًا لا يُؤبه له, حتى تتعلم منه أمته الابتعاد عن مواطن الشبهات والمحرمات, فيقول: (( إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا )). 

معاشر المؤمنين والمؤمنات! هكذا فليكن المسلم مع الله، يخافه ويخشاه، خاصة فيما يتعلق بالحقوق العامة فهي ملك للجميع وللمجتمع والوطن لا يجوز بحال أن يتفرد بملكيته أو بمنفعته شخص بعينه، ولا يجوز بحال أن يُحتج بأن هذا مُلك للدولة فهو حلال للجميع أو يُحتج بتعدي الآخرين، وأن كلاً يتعدى ويأخذ..وغير ذلك من الأعذار التي يصدق فيها المثل السائر: عذر أقبح من ذنب، فـ] كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [، وكل سيحاسب وحده، وكل سيُسأل عن الفتيل والقطمير، فميزان هذا الدين يزن مثاقيل الذر كما أخبر الله فقال: ] فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ () وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [، وإلا لما حاسب عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- نفسه على رائحة الطيب؛ فقد كان المسك يُحمل إليه في مال المسلمين ليقسمه بينهم فإذا وضعوه بين يديه سد أنفه حتى لا يشم المسك، فإذا قالوا له: إن هذا ريح فقط؟! أجابهم: وهل يُنتفع من المسلك إلا بريحه!!. يا الله..!! إنه موقف يهز من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان!! موقف من يعلم أنه لا محالة سيقف بين يدي الملك الديان، موقف من يفهم ويعقل ما يُردده في صلواته المفروضة كل يوم سبعة عشر مرة: ]مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ[، أي: يوم يُدان الناس ويحاسبون!‍ وعمر بن عبد العزيز -رحمه الله- رأى ابنه يأخذ تفاحة من تفاح يقسمه بين المسلمين، فانتزعها منه، فبكى الولد وذهب إلى أمه، فلما عاتبت زوجها على ذلك قال: والله لقد انتزعتها وكأني أنتزعها من قلبي، ولكني كرهت أن أضيع نفسي عند الله عز وجل بتفاحة من فيء المسلمين!!. واشتهى عمر بن عبد العزيز يومًا أن يأكل تفاحًا، فأهدى إليه بعض الناس جانبًا منه فرفضه عمر، فقيل له: لِم ترفض والنبي rكان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة؟ فأجاب عمر: إن الهدية كانت لرسول الله هدية، وهي اليوم لنا رشوة!.. وكأنه رحمه الله يُشير إلى حالنا وواقعنا اليوم؛ فالهدايا والإكرامية والعمولة وغيرها من المسميات التي تُشترى بها الذمم وتُباع..، تعددت المسميات والهدف واحد: رشوة وسكوت وحيل وخداع وتدليس، وأكل مال بالباطل، هكذا كانت استجابة وتطبيق عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- للنصوص الشرعية، فهو يُعطي درسًا عمليًّا لكي يتفطن المسؤول والموظف والعامل لحيل النفس، ويَحذر خطوات الشيطان، وإلا فالنفس ضعيفة لا يزال بها شيطانها، وشياطين الإنس ممن حولها يُهونون عليها الرشوة والسرقة والتعدي بشتى صوره ويُسمونها بغير اسمها. وربما يضعف الموظف أمام فقره وحاجته، وأمام ظروف الحياة المعاصرة ومتطلباتها، وكثرة حاجات ونداءات الزوجة والأولاد، ظنًّا منه أن هذا سينقذه مما هو فيه، وهنا تغيب الحقائق والقيم والأخلاقيات من بركة المال، أو الخوف من محقه وخسارته، وكم هي صور المصائب والكوارث المتمثلة في خسارة المال ومحق بركته، أو في كثرة المشاكل الأسرية والبيتية، أو في عقوق الأبناء ونكدهم، والتي هي نتاج عاجل ودنيوي لأكل الباطل، أما في الآخرة فيكفي تدبر قول تلك الصالحة وهي توصي زوجها فتقول: يا هذا اتق الله في رزقنا! فإننا نصبر على الجوع، ولا نصبر على النار؟!. وهكذا تتربى النفوس على التحفظ عن الحرام خاصة في حفظ الحقوق العامة، وكم رأينا وسمعنا فئامًا من الناس -والحمد لله- تتقي المال العام وتتحرز منه، يتضح ذلك من كثرة أسئلتهم قبل الوقوع والإقدام، بل والندم متى عُرف الخطأ، والسؤال بكيفية السلامة والنجاة منه، والمواقف في هذا الباب كثيرة؛ فإن لصالحي زماننا سير ومواقف، ومنها على سبيل المثال: () موظف يسأل فيقول: أعمل في مصلحة حكومية، ولظروف خاصة تغيبت عن العمل لمدة عشرة أيام، وفي نهاية الشهر عندما ذهبت إلى أمين الصندوق فوجئت بأن راتبي لم ينقص منه شيء، فذهبت إلى رئيسي المباشر وقلت له: إني استلمت راتبي كاملاً، فلم يرد علي بشيء فماذا أفعل؟ فلا أريد أن آكل شيئاً حراماً. (فتاوى ابن عثيمين 2/698) . ومسئول إداري في إحدى الجهات الحكومية يتصدق شهريًّا من راتبه بمبلغ كبير خشية أن يكون استعمل شيئًا من ممتلكات العمل لأغراض شخصية رغم حرصه الشديد، ورغم أنه يَبذل للعمل أضعاف ساعات العمل المقررة. وآخر جاء في نهاية الخدمة لرئيس عمله فدفع له شيكًا بمائة ألف ريال، وهو يقول: والله لا أعلم أني تعمدت أخذ شيء من الحقوق العامة في الشركة، لكن الإنسان لا يسلم فهذا المبلغ لتبرئة ذمتي مما قد يعلق بها وأنا لا أعلم.. ومواقف كثيرة ليس هذا مقامها..، فرحم الله هذه النفوس، ضمائر سمت، وهمم علت، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه . 

لولا لطائف صنع الله ما نبتت    تلك المكارم في عظم ولا عصب

إنها صور للموظفين الصادقين في إيمانهم وفي توكلهم على الله، في زمن كثر فيه الغش والخداع، والتهاون والتحايل في الأحكام والمعاملات.  إنها قلوب ذاقت حلاوة الإيمان وسعادة الدنيا بأكل الحلال، في زمن أصبحت بعض القلوب كالحجارة أو أشد قسوة من أكلها الحرام والشبهات. إنها نفوس طيبة لا تأكل إلا طيبًا، فأغناها الله بالقناعة والرضا، وبارك لها في القليل، في زمن أصاب الناس فيه الجشع والطمع. شعارهم فيه:هل من مزيد. إنها نفوس كالنحلة إن أكلت أكلت طيبًا، وأن أطعمت أطعمت طيبًا، وإن سقطت على شيء لم تكسره ولم تخدشه، إنها قلوب استغنت بالله يوم أن استغنى الناس بالدنيا، وفرحت بالله يوم فرح الناس بالدنيا، وأنسوا بالله يوم أن أنس الناس بأموالهم وكبرائهم، فنالوا بذلك الرضا والقناعة و الراحة. إنها نفوس تخاف الله، وهي على يقين أن الله يمهل ولا يهمل، وأنه يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، نفوس تربت على خشية الله ومراقبته، وعلى أكل الحلال. إنها أبصار تقرأ في سيرة الحبيب e أنه جزع ليلة فلم ينم. فقيل له ما الذي أسهرك يا رسول الله؟ فقال: (( إني انقلبت إلى بيتي؛ فوجدت تمرة ساقطة، فأكلتها، فذكرت أن في بيتنا تمرًا من تمر الصدقة، فلا أدري أهي من تمر أهلي أم من تمر الصدقة؟ ذلك الذي أسهرني؟!)) سبحان الله! تمرة تقض مضجع الحبيب e، فأين من يَعُبُ من الحرام في الليل والنهار. ويرى e الحسين بن علي وهو صبي صغير يتناول تمرة واحدة من تمر كثير في بيت المال، فينهره النبي e قائلاً له: ألقها يا حسين، فإنا أهل البيت لا تحل لنا الصدقة ". وهي نفوس تقرأ في سيرة الصديق t أنه "كَانَ له غُلَامٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟! قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ!!"(خ 3554) وفي رواية أنه قال: اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق، وخالط الأمعاء. فقالوا له: يرحمك الله يا أبا بكر ، أتفعل كل هذا من أجل لقمة؟ فقال: والله لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، فقد سمعت رسول الله e يقول: "كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به "، ولقد خشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة الحرام فأصير به إلى النار. وهي نفوس تقرأ في سيرة الفاروق وقد شرب لبنًا فأعجبه، فقال للذي سقاه: من أين لك هذا؟ قال: مررت بإبل الصدقة وهي على ماء، فأخذت من ألبانها، فأدخل عمر يده فاستقاء. فاعلم -أيها الموظف العزيز- أن خير سبيل للبعد عن الحرام ترك المشتبه، وسلوك مسالك الورع خاصة عند التردد، ففي الحديث: (( لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ )) رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن غريب. وفي الصحيحين: ((فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ)).(خ ،م ). وقال الحسن البصري رحمه الله: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام. وقال أبو الدرداء t: تمام التقوى أن يتقي العبد ربه، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حرامًا، حجابًا بينه وبين الحرام. وتذكر أيها الموظف الصالح: أن المشتبهات يحصل للقلوب عندها القلق والاضطراب الموجب للشك، والمسلم الوَرِعُ هو: الوقّاف عند المشتبِهات يدع ما يريبه إلى مالا يريبه. فيا معاشر الموظفين والعاملين! اتقوا الله وحافظوا على المال العام، وممتلكات الدولة، إن لم يكن من أجل الله! ولا من أجل وطنك ومواطنيك، فمن أجلك أنت وولدك، فأطيبوا مطاعمكم ومشاربكم، واتقوا الله في أنفسكم وأهليكم، فالجزاء من جنس العمل، وكما تدين تُدان، فكم نرى من الناس حُرموا لذة الأكل الحلال، وحُرموا بركة المال، وحرموا صلاح العيال، بسبب أكل الحرام من تعدٍ ورشوة ورباً وغش وخداع، وسرقة وحلف كاذب ونحوه. عباد الله! حين لا يُفكر الإنسان إلا بنفسه فقط، فهذا جشع وأنانية، وحين يتعدى ذلك إلى الإضرار بالآخرين ومصالحهم ونهب أو استغلال الممتلكات العامة، فهذه خيانة وخسة، وهكذا إذا تسابق الناس إلى تحقيق مصالحهم الشخصية على حساب المصالح العامة، عندها يضعف إحساسهم بالأمور العامة، بل إنهم يظهرون استعداداً قوياً لتجاوز كل النظم والأحكام، والوقوع في الشبهات وما بعد الشبهات من حيل وخداع وتلون في سبيل تحقيق أكبر قدر من المنافع الشخصية بأي صورة. وأخيرًا ربما سألتم: كيف يكون الحرص على الأموال والمصالح العامة ؟ فأقول: صور ووسائل كثيرة ومختلفة نستطيع من خلالها المحافظة على المال العام، متى كانت النية صادقة، والعزيمة جادة، ومن ذلك على سبيل المثال: 1ـ المحافظة على المرافق العامة من طرق وحدائق ومدارس وأبنية حكومية مختلفة، وذلك من خلال البعد عن إتلاف أي منها أو القيام بأعمال تعطل وظائفها، أو تضعف كفاءة أدائها.2ـ المحافظة على الموارد المملوكة للدولة وعلى الخدمات المجانية والمدعومة التي تقدمها، ومحاولة استخدامها في إطار النظم والقوانين السارية والأعراف المعتبرة وذلك مثل الماء والكهرباء والوقود وخدمات التعليم والتدريب والصحة.3ـ نزاهة العقود التي يتم إبرامها في أعمال وخدمات عامة، والاجتهاد في جعلها تحقق أكبر نفع ممكن للجهة ذات الصفة العامة. وذلك يتحقق من خلال طرح المناقصات والاطلاع على العقود المبرمة في الأعمال المماثلة, وتقليل دور الوسطاء في ذلك.4ـ عدم قبول رشوة مقابل أداء بعض الأعمال أو قبول سمسرة مقابل بعض التسهيلات، فهذا من السحت, لأن ما يبذله الموظف من جهد في عمله واجب عليه, وما يأخذه من جهة عمله من رواتب وبدلات وميزات هو ثمنٌ لذلك الجهد. 5ـ عدم قبول أي واسطة تؤثر تأثيراً سلبياً على مصلحة عامة، أو تحرم بيت مال المسلمين من مال أو رافد مستحق له، فالشفاعة أو الواسطة تكون مقبولة ومأجورة إذا كان فيها تقديم عون لمسلم أو رفع غبن عنه بشرط عدم إساءتها للمصلحة العامة أو إلحاقها الضرر بحقوق شخص آخر من الناس. 6ـ تولية الأكفاء – وليس المعارف والأقرباء- في الوظائف المختلفة، والبعد عن المحسوبية في ذلك، لأنه نوع من الغش والخيانة والتقصير في القيام بمهام المنصب.7ـ اجتهاد الموظف في خدمة العمل المسند إليه، ومحاولة إتقانه بأفضل وجه ممكن, وذلك من خلال تطوير المهارات المتعلقة بأداء العمل, وحضور بعض الدورات التدريبية وحلقات النقاش والاطلاع على المستجدات في مجال العمل. 8 ـ معاهدة النفس بعدم استغلال الوظيفة العامة لجلب مصلحة خاصة غير مشروعة. نسأل الله أن نكون وإياكم من الصادقين، ومن الأمناء الأوفياء المخلصين، إنه على كل شيء قدير، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.  

   الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد: أيها المؤمنون! تذكروا دائماً أنكم مكلفون، وأنكم مؤاخذون بما تقولون، وأن الأعمال والألفاظ والألحاظ، تكتب وتسجل، في كتابٍ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا، وأن الأسماع والأبصار والجلود تستشهد وتستنطق، والعاقلون يعلمون أنهم يبعثون ومحاسبون، ]أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى([القيامة:36].]أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ( [المؤمنون:115].فاتقوا الله عباد الله، واجعلوا كسبكم حلالاً بيناً، وآمنوا بلقاء ربكم، واستعدوا له، يصلح لكم أمر دنياكم وآخرتكم، حياة طيبة، وطمأنينة إيمانية، وعاقبة خيرة، فما عند الله خير وأبقى، وأغلى وأنقى. اللَّهُمَّ إنا نسألك رضاك و الجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللَّهُمَّ زد إيماننا واغفرلنا، وثبت أقدامنا، وألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا.نسألك اللَّهُمَّ فرجًا قريبًا للمسلمين المستضعفين في فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين، اللَّهُمَّ انصرهم على من بغى عليهم، وانتقم لهم من الظالمين، اللَّهُمَّ احفظ النساء الثكالى، والأطفال اليتامى، وذا الشيبة الكبير. واحم المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهُمَّ من أراد المسلمين في كل مكان بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، وتدبيره تدميرًا عليه، اللَّهُمَّ اجمع كلمة المسلمين، ووفق ولاة أمرنا لخير الإسلام والمسلمين، واجعلهم مفاتيح خير مباركين، وملاذًا للمستضعفين والمساكين،اللَّهُمَّ اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين، وارفع عنهم البلاء برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهُمَّ وصل وسلم على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه الطاهرين، وخلفائه الراشدين، والحمد لله رب العالمين .




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :