خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
16989605
زوار الشهر :
35815
زوار اليوم :
418


الأعاصير في 29/5/1428هـ [تهذيب وحذف وزيادات كثيرة، ابراهيم العجلان]

الحمد لله على إحسانه، والشكر على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرا. أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، تدرّعوا بها في الشدة والرخاء، في السراء والضراء، اعمروا بها أوقاتكم صباحًا ومساءً، فبها تدفع المحن والبلايا، والفتن والرزايا، وصدق الله تعالى القائل: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}[الطلاق: 2]{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}[الطلاق: 4]. عباد الله! آياتٌ ونذر من الرحمن الرحيم للبشرية جمْعاء تتجدد يوما بعد يوم بلْ بكل لحظة من لحظات حياتهم؛ حروبٌ ومجاعات، أمراضٌ فتاكة مستعصية، حوادث سير في البر والبحر والجو، ينجم عنها موت الجماعات من الناس في لحظة واحدة، خسوف وكسوف، زلازل وبراكين وفيضانات، عواصف وأعاصير وغيرها. فالكونُ بإنسه وجنّه وسمائه وأرضه وكواكبه ونجومه ومخلوقاته ما علمنا منها وما لَمْ نعلم إنما هو مسخّر بأمر الله، يتصرف فيه كيف يشاء سبحانه، ولا معترض عليه. والمسلم بما يحمل من عقيدة التوحيد يعلم أن الضر والنفع بيد الله، وأن ما يجري من هذه الآيات والنذر إنما هي بِقَدَرٍ من الله لحكمة يريدها الله، عَلِمَها البشر أو غابت عنهم،{قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ ٱلاْيَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}[الأنعام: 65-67]،{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} [النور: 43]. ومن هذه الآيات والنذر إعْصَارُ (غُونُو) والذي انطلق في الأسبوع الماضي من المحيط الهندي إلى منطقة الخليج العربي وبسرعة أكثر من مائة وثمانين كيلومترا في الساعة، إلى أنْ وصل إلى العاصمة الْعُمانِيّة مَسْقَط، وقد تابع الكثير منا ما تناقلته وسائل الإعلام المختلفة المرئية والمقروءة منها عن هذا الإعصار والذي هو: رياح شديدة مصحوبة بغيوم وأمطار غزيرة كثيفة تأذَّى منها الناس وتضرروا، وبان عجزهم عن ردها ودفع ضررها، رغم علمهم المسبق به ومتابعة مداره وسيره لحظة بلحظة عبر الأقمار الصناعية قبل وصوله، وقد تم نقل أحداثه وآثاره على الهواء مباشرة للعالم أجمع. سبحان الله! سيول جارفة، ورياح هادرة سحقت كل ما أمامها، وشلت حركة الشوارع، وحاصرت جميع السكان في داخل منازلهم عدة أيام، حتى أصبحت جميع المدارس مأوى لكثير من المواطنين، وصعبت حركة النقل عندهم، فأغلقت المواني والمطارات، وشُلت حركة السيارات، وعطلت المدارس والجامعات,وأصبحوا غير قادرين على ممارسة أعمالهم اليومية المعتادة، فتقطعت بهم السبل بسبب المياه الجارفة والرياح العاتية والأمطار الحامية،وغمرت المياه الطرقات وسدّتها الأشجار المتساقطة، وتهاوت كثير من أعمدة الكهرباء،وأصبحت الشوارع عبارة عن أنهار جارية بالمياه في بعض المناطق الساحلية،ووصل الماء إلى اليابسة،ودخل إلى مساكنهم المحكمة، فأعلنت الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، وتسبب في قتلى ومفقودين ومصابين وفيضانات، كما تسبب الإعصار بارتفاع الأمواج على سواحل بعض المدن الإماراتية، مِمّا دفع السلطات المحلية لإخلاء قاطني المساكن القريبة من البحر تَحَسُّبًا لزيادة ارتفاع الموج، نسأل الله أن يفرج كربة إخواننا في عُمان؛ فما زالوا يعانون من آثاره معاناة شديدة، نسأل الله أن يلطف بهم،وأن يحفظهم من كل سوء ومكروه، فسبحانك ربنا ما أعظمك! وما أحلمك! وما أعدلك! شواطئُ جميلة يقصدها السائحون، ومحط أنظار المستثمرين، تُباع بأغلى الأثمان، يتسابق إليها رجال الأعمال, وفي لحظة واحدة تحوّلت إلى أراض بَوار لا تُساوي درهمًا ولا دينارًا، يبتعد عنها كل من رام الصحة والسلامة. 

     ما بَيْنَ غَمْضَةِ عَيْنٍ وانْتِبَاهَتُها     يُبَدِّلُ الله مِنْ حالٍ إلى حَالِ

لا إله إلا الله القوي الجبار، العزيز القهار،{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]. لا إله إلا الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. عباد الله! من القهار؟! من الجبار؟! من المحيي؟! من المميت؟! من القوي؟!من القابض؟! من الباسط؟! من الواحد؟! من المدبر ؟ من المتصرف؟ من مالك الملك؟ إنه الله! فلا إله إلا الله، تمر بنا الأحداث حدَث بعد آخر، فهل نأخذ العبر؟! هل نتعظ ونتدبر؟!{يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}[الرعد: 2]. فالأمواج جند الله، والبحار جند الله، والجبال جند الله، والرياح والغبار جند الله، والأرض والسموات كلها جنود، تتحرك بأمر الله، وتسكن بأمره،{وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}[المدثر: 31]. فيا سبحان الله يأمر الزلازل فتتحرك، ويأمر البراكين فتتحرك، ويأمر الأعاصير فتتحرك، فتدمر كل شيء بأمر ربها،{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}[الرحمن: 29]، نعم،{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}، يقوي هذا، ويضعف هذا، يسلب الصحة من هذا، ويعافي هذا، يعطي هذا، ويأخذ من هذا، يحزن هذا، ويفرح هذا،{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}،{فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} نعم، من يوقف ظلم الظالم؟! ومن ينصر المسكين والضعيف؟! من نصر نوحًا لما قال: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}[القمر: 10]،دعا بكلمة، رجع إلى صاحب الملك، إلى من يغير بلحظة {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}، ركن إلى عظيم، لجأ إلى قوي، آوى إلى عزيز جبار متكبّر قهار لا يهزم،{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}. فماذا حدث؟ أمر بالإعصار فأهلك الجميع إلا من كان مع نوح، أباد الجميع إلا من كان مع نوح، {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ()وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ()وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ()تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ" [القمر: 11-14].

فاشدد يديك بِحبل الله معتصمـا    إنه الركن إن خـانتك أركـان

الله أكبر، ما أعظم الدرس! وما أجل العبرة! ما أعظم قدرة الله! تختلّ برامج الحياة لأدنى حدث كوني، وتتأثّر الحياة كلها إذا هبّت ريح عاصف، أليس لنا في ذلك عبرة؟! فعلى الرغم من الاستعدادات وأخذ كل الاحتياطات اللازمة، تبقى قوة الله فوق كل قوة، وإذا أراد الله شيئًا فلا رادَّ لقضائه سبحانه وتعالى، إنها نذر يا عباد الله! ولكن أين المعتبرون؟! وآيات يا عباد الله! ولكن أين المصدقون؟! إنها تذكرة من الله مرة بعد مرة، وحدث بعد حدث، أنه مالك الملك، لا تقف قوة أمام قوته، ولا توازي عظمة عظمته، وهل يقدر غير الله أن يأمر الأرض فتهتز فتدك ما عليها؟!  أيها المؤمنون! لا يجب أن يمر هذا الحدث من حولنا هكذا دون تأمّل وتفكر واعتبار، ففيه بيان عجز الإنسان وضعفه، وإحاطة قوة الله وقدرته به من كل الجهات: من فوقه ومن تحته، وفي أرضه وسمائه وهوائه، وفيه بيانُ عظيمِ بطش الله وقهرِه وجبروته وشدّته وقوة محاله وعظمته،{إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}[البروج: 12]،{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}[الزمر: 67]فإن الله سبحانه فعال لما يريد، وهو على كل شيء قدير، إنه سبحانه شديد المحال، إنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، إنه هو الرزاق ذو القوة المتين. عباد الله! إنها ظواهر كونية تستحق أن نقف معها وقفة تأمل وادِّكار، وعظة واعتبار، فالريح والإعصار، رسل نذر وإنذار، من الملك الجبار، وآية من آيات الواحد القهار،{وَمَا نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا}[الإسراء: 59]. لقد خوَّف العظيم الجليل عباده بالريح العاتية، وأنذرهم بالأعاصير القاصفة، كما قال تعالى: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً()أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا"[الإسراء: 68، 69]. ولعظمة الريح وعظم شأنها أقسم بها ربها فقال جل في علاه: {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا()فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا()وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا}وجعلها الله تعالى برهانًا دالاً على ربوبيته وألوهيته، قال تعالى:{وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}[الجاثية: 5]. هذه الرياح جند طائع لله تعالى، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}[المدثر: 31]، فإذا شاء الله صيرها رحمة، فجعلها رخاءً ولقاحًا للسحاب، فكانت مبشرات بين يدي رحمته ونزول نعمته، "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ"[الروم: 46]، وإذا شاء الله جعل هذه الرياح نقمة ونكالاً، فكانت صرصرًا عاصفًا وعذابًا عقيمًا، قال تعالى عن قوم عاد لما كفروا واستكبروا:"وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ()مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ"[الذاريات: 41، 42]. هذه الريح جعلها الله سلامًا لنصرة أوليائه، فحينما زلزل المؤمنون يوم الخندق زلزالاً شديدًا،نصر الله نبيه وأولياءه بهذه الريح، فأرسلها على أعدائهم عاتية قلعت خيامهم وأطفأت نارهم وكفأت قدورهم، فارتحلوا بعد ذلك صاغرين متفرقين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا"[الأحزاب: 9]، وفي هذا يقول النبيe ((نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ))متفق عليه.والصَّبَا: هي الريح الشرقية، والدَّبور:الريح الغربية. إخوة الإيمان: إن ظاهرة الأعاصير حدث مهيب، ومنظر مهول، يوجل القلوب،ويدهش العقول، فحينما الناس في دنياهم غافلون أو في لهوهم سادرون إذ أذن الله لجند من جنوده أن يتحرك، أذن للهواء الساكن أن يضطرب، ويهيج ويموج، ويثور ويزمجر، ثم يتوجه كالغضبان إلى اليابسة يجرّ معه الأمواج العالية، والسحب المفرقة، لا يقف أمامه شيء إلا ابتلعه، ولا شجر إلا اقتلعه، ولا شاخص إلا صرعه ورماه في مكان سحيق، عروش مبعثرة، وبنايات متناثرة، وأشلاء ممزقة، وجثث متحلّلة هنا وهناك، سبحان الله! يقف الناس مع لجة الإعصار مكلومين مشدوهين نازحين، لا بيوت تنجيهم، ولا أبراج تؤويهم،"لَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ()لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ" [الأنبياء: 12، 13]. يحدث هذا الدمار كله وذاك الخراب في لحظات سريعة خاطفة، فلا إله إلا الله، ما أعظم قدرة الجبار! مدن عامرة تدب في أرجائها الحياة لجمالها وصفاتها، وفي غمضة عين أضحت أوطانًا موحشةً وديارًا خاويةً، وأطلالاً باليةً،"وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ"[هود: 102].فيا الله! ما أكثر العبر! وما أقل الاعتبار! فهذه الأعاصير يوم تعصف عاصفتها كأنما تخاطب أهل الأرض، تخاطبهم بعظمة الخالق، وعجز المخلوق وضعفه، تخاطبهم بأن الأمر لله من قبل ومن بعد، وأن المخلوق مهما طغى وبغى، ومهما أوتي من قوة وتقدم فليس بمعجز الله في الأرض، وليس له من دون الله من ولي ولا نصير. لقد أصابت هذه الأعاصير دولاً عظمى فما أغنت عنهم قوتهم من شيء لما جاء أمر ربك. نعم، نجحت البشرية في رصد هذه الأعاصير وكشف وجهتها وسرعتها، لكنها عجزت مع قوتها العسكرية وأجهزتها العلمية وترسانتها الحربية عجزت عن مواجهة هذا الجندي الإلهي أو تغيير وجهته وتقليل خسائره، وصدق الله ومن أصدق من الله قيلا:"وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ"[الرعد: 11]. إخوة الإيمان! ومن الحقائق الثابتة التي نطق بها القرآن أن هذه المصائب العامة التي تنزل بالبلاد والعباد إنما هي حصائد ذنوبهم وجزاء ما كسبت أيديهم،"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"[الروم: 41]، ويقول الله بعد أن ذكر مصارع الأمم:"فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"[العنكبوت: 40]، ويقول تعالى:"وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ"[القصص: 59]. ولما كثرت المعاصي في هذا الزمن وتنوعت كثرت بذلكم المصائب وتسارعت، ولا زلنا بين فترة وأخرى نسمع عن زلازل وبراكين وفيضانات وأعاصير وأوجاع وأمراض ومع هذا كله تأبى نفوس أعرضت عن الله وتعامت عن شريعته أن تأخذ من هذه الأعاصير آية وعبرة ومدّكرًا، فينسبون هذه الأعاصير إلى ظواهر طبيعية وأسباب مادية، ولا علاقة لها بأفعال الناس ومعاصيهم، ولسان حالهم كما قال من سبقهم: "قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ"[الأعراف: 95]. ويعظم الخطب حينما تكون هذه التحاليل المادية والنظرة اللادينية هو الصوت الأغلب للإعلام في ديار المسلمين، فتشكّك عقول الناس وتغرّر بمفاهيمهم حول هذه النظرة الخاطئة، فيضعف بذلك اتعاظ العباد، ويقل اعتبارهم، يقول الله تعالى ذامًّا وموبخًا من لا يتّعظ بالآيات والمثلات: "فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"[الأنعام: 43]. نعم، لهذه الأعاصير أسباب وظواهر علمية، ولكن هذا لا يعني التعلق بهذه الأسباب ونسيان خالقها ومسببها، فإن الله تعالى إذا أراد شيئًا أوجد سببه، ورتب عليه نتيجته، كما قال سبحانه: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا" [الإسراء: 16]. فهذه الأعاصير وغيرها من الكوارث هي من أقدار الله، لا تسيّر نفسها، وإنما تسير بأمر الله ولشيء أراده الله. وقد كان للنبي e مع هذه الرياح شأن آخر وحال مغايرة، كان إذا رأى مقدّماتها تغير وجهه، وقلقت نفسه، وتبدّلت حاله، ولا غرو في ذلك فهو عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بربه، وأخبر الخلق بأسباب العقوبات والكوارث، وتصوّر لنا أم المؤمنين عائشة حاله بقولها: كان الرسولe إِذَا تَخَيَّلَتْ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: ((لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ،:"فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ"[الأحقاف: 24].ونقل ابن كثير في تفسيره عن عبد الله بن عمرو قال:"الرياح ثمانية: أربعة منها رحمة، وأربعة منها عذاب، فأما الرحمة: فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وأما العذاب: فالعقيم والصرصر-وهما في البر-، والعاصف والقاصف، وهما في البحر". فإذا شاء سبحانه وتعالى حرّكه بحركة الرحمة؛ فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته ولاقحًا للسحاب، تلقحه بحمله الماء كما يلقح الذكر الأنثى بالحمل، وإن شاء حركه بحركة العذاب؛ فجعله عقيمًا وأودعه عذابا أليمًا، وجعله نقمة على من يشاء من عباده؛ فيجعله صرصرًا وعاتيًا ومفسدًا لما يمر عليه" اهـ. فالرياح كما أنها جند من جنود الله يسلطها على من يشاء فإنها أيضا خلق من خلق الله يسخرها لمن يشاء من عباده، قال المولى تبارك وتعالى: "وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ"[الأنبياء: 81]وقال تعالى:"وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ"[سبأ: 12].قال قتادة:"تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار، وتروح مسيرة شهر إلى آخر النهار؛ فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين". ومن الأحكام الشرعية مع الريح والأعاصير أنه لا يجوز سبها أو لعنها، قالe: ((لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ؛ فَإِنَّهَا تَجِيءُ بِالرَّحْمَةِ وَالْعَذَابِ، وَلَكِنْ سَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَتَعَوَّذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا)) رواه أحمد بسند حسن. ومن الأحكام أيضا دعاء الله تعالى عند هبوبها، قالت عائشة رضي الله عنها:كَانَ النَّبِيُّ e إِذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ)) رواه مسلم في صحيحه، وأما قول بعض الناس: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا. فهذا جاء في حديث ضعيف جدًّا، وهو في ضعيف الجامع للألباني، وإنما الثابت من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام هو ما ذكرناه. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، فاستغفروا الله العظيم الجليل الكريم من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن ولاه، أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واستقيموا على دين الله، يرزقكم الله {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}[الجن: 16].وإن من أهم الأسباب التي تستدفع بها الأمة الكوارث عنها إزالة رايات الفساد والإفساد المستعلنة، وإنكار المنكر، والأخذ على أيدي السفهاء الذين يخرِقون سفينة مجتمعنا بمسامير الشهوات أو بمطارق الشبهات، الأخذ على أيديهم ومنع فسادهم وإفسادهم حلقة من حلقات الإصلاح، وصمام أمان من العقوبات الإلهيه،"وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ"[هود: 117]. أما إذا علت المنكرات وكثر سوقها وصلُب عودها ولم يوجد النكير فإن العقوبة عامة، سيهلك الأخيار بجريرة الفجار. سألت زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ رسول الله e فَقالتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟! قَالَ: ((نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ)). فاتقوا الله أيها المسلمون، وانظروا إلى هذه الحوادث بعين البصر والبصيرة، والعقل والتعقل، لا بعين الشماتة أو التزكية للنفس، فقد يصرف الله العقوبات عمن هو أفجر وأفسق إمهالا ومكرًا بهم،{لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ" [الأعراف: 99].       

ولست تأمن عند الصحو فـاجئةً     من العواصف فيها الخوف والهلع

نسأل الله العلي القدير أن يحفظ بلادنا وجيراننا وكل بلاد المسلمين من كلّ سوء ومكروه, وأن يهدينا ويثبتنا، ويهدي ضالّ المسلمين، وأن يردهم إليه ردّا جميلا، وأن لا يؤاخذنا بمعاصينا وغفلتنا، ولا بما يفعل السفهاء منا، اللهم يا من أودع في الكون روعته، وأرسل في الحياة إبداعها، ونشر في الأرجاء رحمته، لا تجعلنا من أشقياء الدنيا والآخرة، واهد لنا شيبنا وشبابنا، إنك على كل شيء قدير. اللهم تب على التائبين ،وانصر المستضعفين من المسلمين، واحفظ اللهم العاملين لهذا الدين، والأمرين بالمعروف والناهين، اللهم عليك بأعداء الدين، وانصر عبادك الصالحين ،ووفق ولاة أمور المسلمين لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين ، اللهم وفق ولاة أمرنا لما تحبه وترضاه ،وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة ، ثم اعلموا أيها المؤمنون أن من خير الأعمال في هذا اليوم العظيم الصلاةَ على نبيكم محمدٍ، فصلوا وسلموا على رسول الله امتثالا لأمر الله حيث أمركم ربكم بقوله:"إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا". اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وإحسانك ورحمتك يا أرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :